لم يكن الاتساع الجغرافي معيارا في تاريخ الأمم بقدر ما كانت روح الرسالة التي تحملها الجيوش هي المعيار…
فالتاريخ يُخبرنا أن بعض القادة عبروا القارات بسيوفهم، ولكنهم ما إن ارتدّوا عنها حتى عادت الأرض إلى أهلها ولم يبقَ من أثرهم إلا أسماء في صفحات الورّاقين وعلى ألسنة بعض المؤرخين…
بينما كان هناك فتح آخر يختلف جوهرا لا شكلا، فتح لم يكن غاية بل وسيلة لإقامة ميزان جديد بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان.
حين نقارن بين فتوحات بعض القادة العسكريين في الغرب، الذين دَوّخوا الأرض زمنا ثم انكمش سلطانهم حتى عاد كل شيء سيرته الاولى، وبين الفتوحات التي جاءت مع الدولة الإسلامية، ندرك ان الفارق لم يكن في السيوف بل في الفكرة.
فالمناطق التي دخلها المسلمون لم تعد غريبة عنهم، ولم تبق أسيرة تصنيف الغالب والمغلوب…
بل تحولت عبر الزمن إلى مجتمعات نسجت لباسها الخاص من العقيدة واللغة والقيم، حتى غدا أهل تلك البلاد هم صناع الحضارة الإسلامية وحملتها.
أين أجيال الشام ومصر والعراق وفارس وشبه القارة الهندية وشمال إفريقيا ممن قامت عليهم جيوش الفتح؟
أين أحفاد الذين وقفوا يوما في صفوف المواجهة؟
إنهم اليوم سكان هذه البلاد، ولكن دون ذاكرة انهزام او عُقدة سيادة…
لم يبق الفاتح غريبا، ولم يبق المفتوح تابعا، لأن المشروع الإسلامي لم يقم على منطق الامبراطوريات التي تبتلع الشعوب، وإنما على فكرة الاندماج الذي يصنع مجتمعا جديدا، يعيش فيه الناس على قدم سواء تحت ميزان واحد.
لقد كان الاختبار الحقيقي للفتح الإسلامي انه لم يفرض قومية، ولم يجبر الشعوب على ارتداء لون واحد، بل وسّع الدائرة حتى أصبح العربي والفارسي والبربري والتركي والهندي شركاء في البناء، لا رعايا في أطراف السلطان…
فالمجتمع الذي تشكل لاحقا لم يكن مستعمرة، بل كان بيتا واسعا يتسع للغات ولهجات وأعراق وصناعات وفنون، كلها تنتمي إلى جسد حضاري واحد دون ان تلغي أصلها.
تلك هي المفارقة….
هناك فتوحات تصنع الخرائط لسنوات ثم تتبخر آثارها، وهناك فتوحات تصنع الإنسان وتعيد تعريف هويته…
– الاولى تعتمد السيف،
-اما الثانية فتُبقي السيف في غمده بعد أن يُفتح الباب للفكرة…
ولذلك بقي إرث الفتح الإسلامي في الناس قبل الأرض، وفي الثقافات قبل الحدود، وفي النفوس قبل الرايات.
ولذلك ايضا لم يعد هناك غالب ومغلوب….
لقد ذاب الجميع في أُخوّة جديدة لم تكن نتيجة اضطرار سياسي، بل ثمرة رؤية ترى الإنسان مُكرّما بغض النظر عن لونه ولسانه…
رؤية جعلت من أبناء الأمس الذين واجهوا جيوش الفتح شركاء في حمل القرآن والفقه والطب والفلك والفلسفة، حتى اصبحوا هم أنفسهم روّاد النهضة الإسلامية وأعلامها.
ذلك هو الفتح الذي يُخلّده التاريخ…
فتح لا يمر على الأرض مرورا عابرا، بل يمضي في الأعماق، فيحوّل الشعوب إلى صناع حضارة، لا إلى أسرى ذكريات الهزيمة.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة