في هذه الحياة التي تتقلّب بنا كما تتقلّب أمواج البحر حول سفن ابن رشد يوم كتب:
“إن للحق وجوها كثيرة… نتعلّم أن نُحسن الظن مرّة، وأن نتغافل مرّات”..
فليس كل شيء صالحا ليُحفظ في القلب، ولا كل كلمة جديرة بأن يُرد عليها،
ولا كل إنسان يستحق الوقوف عند عتبة روحه…
-التجاهل هنا ليس هروبا بل حكمة عَليّة،كما قال أحد الصالحين:
“ليس كل ما يُقال يستحق الجواب.. “
إنه ترفّع لا جفاء فيه، وكرامة لا قسوة فيها ..
فالناس، كما في الأثر، خُلقوا من ماء وطين… لكن منهم من سال ماؤه فصار نهرا رقراقا، يمضي ولا يجرح، ويهب الحياة بلا ضجيج ..
ومنهم من غلب طينه ماءه، فجفّ قلبه كالحجر، لا تُلينه مودّة ولا تُحييه موعظة….
تعلّم يا عزيزي أن تجعل في قلبك حفرة خفيّة، لا اسم لها ولا منافذ، تدفن فيها هفوات الأحبة، دفنا حقيقيا بلا شاهد وبلا علامة وبلا زر استرجاع … حتى لا يجرّك الشيطان يوم الخصومة إلى نبش القبور.. فمن أعاد فتح المقابر اختنق برائحتها !
وانظر إلى الكون:
-الدجاجة تبيض بيضة زهيدة، وتملأ الدنيا صراخا ..
بينما الحوت يُلقي بآلاف حبات الكافيار الثمين وهو صامت…
وهكذا النبلاء…
التزم الصمت الكبير ودَعْ إنجازاتك ترفع صوتك وصورتك…
القرآن الكريم وضع معيار القيمة بقوله:
” ليسأل الصادقين عن صدقهم…”
فهل تُرى كيف يكون سؤال الكاذبين؟
وما أعجب الأقدار…
غريب يجلس قربك في لحظة، فيصبح صديقا كُتِبَ في اللوح أنه سيلقاك يوما ويعيش جزءا منه فيك ..
وصديق عاش عمرك كله، فإذا هو الغريب الحقيقي حين تكشفه الشدائد وتشي بحقيقته التجارب !
وكأن الدنيا تُعيد ترتيب الأدوار كلّما أدخلت علينا امتحانا جديدا…
ففي امتحان الأرض يُخيّم الصمت لحظة التفكير ..
وفي امتحان الآخرة يخيّم الصمت رهبة:
” وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا “
وإذا أردتَّ أصدقاء… وهذا من أبسط حقوقك واحتياجاتك ..
فاشرب يا عزيزي من كأس التغافل كما يشرب الحكماء ماء الحياة ..
فالإمام أحمد رحمه الله قالها كلاما يزن جبالا:
“تسعة أعشار العافية في التغافل”
والتغافل ليس بلادة، بل هو ألم ذاب حتى تخدّر …!
هل عشته؟!
أنا عشته كثيرا وأعيشه الآن بنُضج ووعي وصبر أكبر بل وعشتُ نتائجه
ويا لها من نتائج!
واعلم أنّ بعض الأخطاء جسر للعودة.. وبعضها هاوية للغياب ..
وبعض الرحيل يكتمل بكل تفاصيله بلا وداع كما تفعل الطيور المهاجرة:
“تنفض المكان وتطير… كأنها لم تعبر سماءك يوما “
فاحذر أن يرحل مُحبّوكَ بصمت مُهين.. لأن الصمت أحيانا أبلغ الفراق وأقسى من الثرثرة والعتاب…
**من أعظم ما يغرسه التوحيد في القلب أن تعرف أنّ السعادة لا تُستجدى من بشر،
ولا تُشترى بورود وإغداق وكرم، ولا تُؤمَّن ببيوت فخمة،
ولا تمنحها صداقات ..
ولا تضمنها زواجات مُرتّبة ولا زواجات عن قصص مُلتهبة
ولا يحفظها سفر ولا تُغذيها رفاهية…
بل هي هبة من الله..
الله ربّ العزّة الذي أضحك وأبكى
وأسعد وأشقى
وأغنى وأقنى….
ومتى عَلِق قلبك ببابه، رأيت الدنيا وهي تصغر بين يديك.
ونصف الراحة في أن تكفّ عن مراقبة الناس،
ونصف الأدب في أن تترك ما لا يعنيك،
ونصف الحكمة في صمت يُشبه حكماء الصين حين قال كونفوشيوس:
” الصمت صديق لا يخون”
وكل إنسان حولك يعيش قصة لا تُروى:
قلب تألّم حتى لم يعد يتذمّر أو يشكو وجعا
وروح ضحّت حتى أجدب عطاؤها …
وأمّ تبكي ولدها كلّ ليلة ..
وغريب يعيش الغربة وسط أهله..
وآخرون يقرأون الآن قولي هذا… ليجدوا وجوههم في سطوره…
ولهذا سُمّيت الدنيا دنيا…
لأنها أدنى من همومنا، أقصر من أحلامنا، أضيق من أرواحنا…
فخُذْ نفسا عميقا وقُل: الحمد لله.
واللسان… هذا العضو الذي لا عظم فيه
يكسر القلوب إذا شاء
ويجبرها إذا رحم وعقِل وتأدّب
وأيضا يقتل إذا ظلم وتجبّر ونسي قدرة الله عليه
مع أنه ينير الدروب كذلك إذا صدق…
به يكون الإنسان محبوبا أو مبغوضا ..
مرفوعا أو موضوعا ..
مستحِقا للجنة أو مُستحقا للعقاب…
ولا يتواضع إلا من عرف قدر نفسه يا معشر الكرام
ولا يتكبر إلا من جهل نقصه أيها المساكين
فاملك من الدنيا ما شئت، ستخرج منها كما جئت.
لكن ازرع أثرا في القلوب…
إن لم يكن حبّا فليكن احتراما ورحمة ..
فالاحترام هو الإرث الوحيد الذي لا يشيخ….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة