ثمة حقيقة لا يستقر في النفس مثلها… حقيقة تُشبه الجرس الذي يرنّ في صميم الوجود:
أنّ الحياة على هذه الأرض مؤقّتة، محدودة بأجل.. لا مجال للنقاش فيه، كأنّها عقدٌ ينتهي في لحظة مُباغتة غير مُسجلة تفاصيلها مُسبقا في روزنامة الوعي البشري.
يموت العارفون والمثقفون والأذكياء وأشدّ أهل الأرض طيبة .. وتُطوى معهم أسفار الحكمة والمعرفة ..
ويموت الجهلة والأشرار أيضا وكُل الذين لم يلتفتوا يوما إلى مغزى وجودهم.
يموت من أثقل العالم بإنجازاته، ويموت من مرّ عليه مرور الغُبار.
يموت المؤمنون بما وراء المادة، ويموت الملاحدة الذين رأوا الكون مادة صمّاء.
يموت أهل الديانات، ويموت الذين آمنوا بالطبيعة وحدها…
فـ الموت لا يسأل عن الهوية، ولا عن العقيدة ولا عن الدين ..ولا يطلب بطاقة انتماء.
قال تولستوي: “ليس الموت هو الكارثة، بل أن يمرّ الإنسان بالحياة دون أن يحاول فهم معناها.”
وهذا هو الفارق الجوهري: ليس في الموت، بل في قيمة ما نملأ به الفجوة بين الميلاد والرحيل.
إنّ النصّ القديم – مهما اختلفت الكتب – يجتمع عند الحقيقة نفسها:
كل نفس تذوق الرحيل، كل كائن سيتجرّع تلك الجرعة من كأسٍ تدور على الجميع، لا تفرّق بين ملكٍ جليل وشحّاذٍ يقتات من أرصفة الطُرقات وأبواب المُقتدرين …
فالاختلاف ليس في الجرعة، بل في قيمة الوعاء الذي نملأه بأعمالنا… بأثرنا… بذكرياتنا… بحكايتنا….
في الشرق يقول القرآن للمؤمنين برسالة الإسلام:
“فمن زُحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز” ..
وفي الغرب يقول سقراط وهو ذاهب إلى سجنه الأخير:
“الموت قد يكون أكبر نعمة للإنسان”
وفي الهند يردد حكيم من الأوبانيشاد:
“ليس في الكون موت، بل عبورٌ من غرفة إلى أخرى”
هكذا تتعدد اللغات… ويبقى السؤال واحد:
ما الذي نحمله معنا عندما نغلق آخر باب خلفنا؟
الحياة ليست سوى متاعٍ عابر..
لا يهمّ إن سمّاه الشرقي “غرورا”، أو سمّاه الغربي “وهما” ..
فجوهر الفكرة أنّ الإنسان يُخدع ببريق الأيام والملذات الحالية والمُتوقعة على طول الرحلة ..
يظنّ أن ممتلكاته ستُطيل عمره ..
أن صراعاته ستخلّد اسمه ..
أن المتع الصغيرة ستمنحه معنى…
مع أنّ المعنى الحقيقي لا يُولد من اللذّات .. بل من الوعي، ومن الأثر، ومن الارتقاء فوق التفاهة….
المسألة ليست في طول الطريق، بل في نوع الخطوات.
ليست في عدد السنوات، بل في ما تصنعه السنين فينا…
وما نصنعه نحن في العالم….
عند نهاية كل فصل، يبقى معيار واحد هو المستحق لأن يُسعى إليه:
هل خرجنا من هذه التجربة الإنسانية بشيء يجعل الرحيل أخفّ، والقدوم على المجهول (عند بعض الأقوام) أقلّ رعبا؟
ولذلك قال الشاعر الهندي طاغور:
“عندما يولد الإنسان يبكي الناس من الفرح، وحين يموت يجب أن يبكوا من جمال ما فعله في الحياة” …
هذا هو المتاع الحق…
متاع الأثر الذي لا يمحوه الزمن..
متاع الروح التي تتخفّف من زيف الدنيا…
متاع الإنسان الذي أدرك أنّ الفوز ليس في النجاة من الموت…
بل في أن يترك للحياة بصمة تجعل الوداع أكثر بهاء…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة