أحد الإخوة أرسل مقطعا يتحدث عن سيناريوهات انهيار إيران أو تغيير النظام فيها، وما قد يجرّه ذلك من فوضى أو تفكك أو إعادة رسم للمنطقة.
-بعيدا عن صحة هذه التوقعات أو خطئها، ثمة حقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها:
التاريخ لا يتغير فقط حين تسقط الدول، بل حين تُفتح الأبواب التي كانت مغلقة خلفها.
يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي:
«الحضارات لا تموت بالقتل، بل بالانتحار».
لكن ما لا يقوله كثير من الناس هو أن الفراغ الذي تتركه الحضارات أو الدول حين تتعثر لا يبقى فارغا طويلا؛ فالجغرافيا بطبيعتها تكره الفراغ، والقوة بطبيعتها تبحث دائما عن مساحة جديدة لتتمدد فيها.
كل نقاش يدور اليوم حول تغيير نظام هنا أو إسقاط سلطة هناك، يتجاهل سؤالا أعمق بكثير:
ليس من يسقط… بل من يرث…. !
لقد شهدنا في تاريخ المنطقة نماذج كثيرة لما يحدث حين تُزال قوة كبيرة من المعادلة دون أن يُفهم ما سيولد بعدها….
– العراق بعد 2003 لم يكن مجرد سقوط نظام، بل كان تفكك توازن إقليمي كامل.
– ليبيا بعد القذافي لم تتحول إلى دولة ديمقراطية مزدهرة، بل إلى مساحة مفتوحة لصراع القوى والميليشيات.
– وأفغانستان كانت المثال الأكثر قسوة على أن إسقاط نظام أسهل بكثير من بناء دولة.
ولهذا قال هنري كيسنجر ذات مرة جملة بالغة الدلالة:
«الانتصار العسكري لا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا بعد؟».
الحديث عن تفكيك الدول أو إعادة تشكيلها ليس فكرة جديدة في الجغرافيا السياسية.
فمنذ سايكس–بيكو وحتى اليوم، لم تكن خرائط الشرق الأوسط نتيجة تطور طبيعي للمجتمعات، بل نتيجة صراعات القوى الكبرى ورؤيتها لمصالحها.
– مالك بن نبي كان يرى أن المشكلة في عالمنا ليست في المؤامرات بقدر ما هي في «قابلية الاستعمار».
أي في تلك اللحظة التي تتحول فيها المجتمعات إلى ساحات صراع لمشاريع الآخرين.
المسألة إذن ليست إيران وحدها، ولا إسرائيل وحدها، ولا أمريكا وحدها.
المسألة هي منطق القوة حين يعمل في منطقة مليئة بالتاريخ والموارد والهويات المتشابكة.
فحين تنهار دولة كبيرة في منطقة حساسة، لا ينتج عن ذلك فراغ سياسي فقط، بل سلسلة ارتدادات تمتد عبر الحدود والاقتصادات والهويات.
الحدود التي رسمت بالمسطرة قبل قرن، تعود فجأة لتصبح خطوط توتر لا خطوط استقرار.
ولهذا قال الفيلسوف الألماني كارل شميت إن «السياسة في جوهرها هي صراع على من يحدد شكل النظام».
ليس فقط من يحكم، بل من يحدد قواعد اللعبة كلها….
المنطقة اليوم ليست أمام سؤال بسيط مثل: من ينتصر في الحرب؟
بل أمام سؤال أكثر تعقيدا بكثير: أي نظام إقليمي سيولد بعد هذه المرحلة؟
التاريخ يعلمنا شيئا مهما:
حين تعاد صياغة التوازنات الكبرى، لا يكون ذلك مجرد لحظة عابرة في نشرات الأخبار، بل بداية مرحلة كاملة قد تمتد لعقود.
ولهذا فإن أخطر ما في الحروب الكبرى ليس القصف ولا الدمار، بل اللحظة التي يعاد فيها ترتيب الخرائط والولاءات والقوى.
في تلك اللحظة تحديدا…
لا تعود القضية قضية دولة واحدة، بل قضية منطقة كاملة تبحث عن مكانها في عالم يتغير بسرعة أكبر مما يظن كثيرون.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة