حين كنا صغارا .. كنا ننظر إلى آبائنا كما ينظر أهل القرى إلى الجبال البعيدة؛ نظنها صلبة لا تتصدع، عظيمة لا تتعب، عالية لا تنحني.
كنا نعتقد أن الأب يعرف كل شيء، وأن الأم قادرة على إصلاح كل شيء، وأن الكبار يملكون أجوبة الأسئلة التي تحيرنا.
ثم نمضي في العمر… فتفاجئنا الحياة بحقيقتها الثقيلة.
نكتشف أن كثيرا من الآباء كانوا خائفين وهم يتظاهرون بالقوة.
وأن كثيرًا من الأمهات كُنّ يبكين سرًا ثم يمسحن دموعهن قبل أن يدخلن علينا.
وأن بعض القرارات التي ظنناها ظلما لم تكن إلا محاولات مرتبكة للنجاة.
فالنضج ليس أن تكتشف أخطاء والديك فقط.
النضج الحقيقي أن تدرك حجم المعركة التي كانوا يخوضونها وهم يحاولون أن يبدوا طبيعيين أمامك.
حين يكون الإنسان طفلا، يظن أن أباه عاد متأخرا لأنه لا يريد الجلوس معه…لكن حين يكبر ويصبح مسؤولا عن بيت وأقساط وفواتير وأبناء ومرض وأزمات، يبدأ بفهم شيء لم يكن يراه.
يفهم أنهم كانوا يقاتلون بصمت.
وأن الحياة ليست مباراة عادلة.
وأن الإنسان أحيانا يخرج كل صباح مثقلًا بالهموم، ثم يعود آخر الليل وهو يحاول أن يبتسم لأطفاله وكأن شيئًا لم يحدث.
كُلٌّ يخوض معركته الخاصة، وكُلٌّ يحاول أن يصل إلى وجهته بأقل قدرٍ ممكن من الانكسار..
انظر حولك ..
هذا يقاوم حزنًا لا يراه أحد.
وذاك يحمل همًّا أثقل من أن يشرحه.
وثالث يبتسم للناس بينما يرمم في داخله شظاياه.
نحن لا نرى من البشر إلا الواجهة الأخيرة من قصصهم، أما الفصول التي سبقتها فقد كُتبت في الخفاء؛ بين دمعةٍ لم يشهدها أحد، وخيبةٍ لم تُروَ، ومعركةٍ طويلة خاضها صاحبها وحده دون تصفيق أو شهود.
ولهذا كان بعض اللطف عبادة، وبعض التماس الأعذار فهمًا عميقًا لطبيعة هذه الحياة؛ فليس كل متعبٍ يشكو، ولا كل مكسورٍ يبدو مكسورًا، وليس كل من نجا من الغرق قد خرج إلى الشاطئ سالمًا.
وربما تكون الكلمة الطيبة التي قد تقولها لأحدهم بشكل عفوي هي الشيء الوحيد الجميل الذي صادفه في يومه كله..
ولعل أعظم ما يفعله العمر بنا أنه يوسع دائرة الرحمة في قلوبنا.
فبعد أن كنا نحاكم الناس، نبدأ بفهمهم.
وبعد أن كنا نطالب بالكمال، نبدأ بإدراك استحالته.
وبعد أن كنا نغضب من تقصير الآخرين، نكتشف كم أن النجاة نفسها كانت صعبة..
ومع ذلك…
ليس كل ألم يُبرر.
وليس كل تقصير يُعذر.
فهناك آباء ظلموا أبناءهم فعلًا.
وهناك أمهات تركن جراحًا عميقة في أرواح أطفالهن.
وهناك من لم يحاول أصلًا.
لكن المشكلة أن البشر يميلون إلى طرفين:
إما أن يؤلهوا الوالدين حتى يجعلوهم فوق الخطأ.
أو يشيطنوهم حتى يحملوهم مسؤولية كل تعاسة عاشوها… والحقيقة غالبًا تقع بين الطرفين.
فالأب بشر…. والأم بشر.
والبشر خليط من النبل والضعف، ومن الحكمة والجهل، ومن الصواب والخطأ.
الكثير من الجروح التي نحملها ليست بسبب أن أهلنا لم يحبونا…بل لأنهم أحبونا بطرق لم نكن نفهمها.
فكم من أم أرهقها الخوف فصارت شديدة.
وكم من أب سحقته المسؤولية فصار قاسيًا.
وكم من والدين أخطآ لأن أحدًا لم يعلمهما كيف يكونان والدين أصلًا.
أحيانًا نطلب من آبائنا أن يكونوا أطباء للروح، بينما هم أنفسهم كانوا ينزفون !
ولهذا جاء الإسلام بنظرة مدهشة للإنسان.
فلم يصور الآباء ملائكة.
ولم يصور الأبناء ملائكة.
بل صور الجميع بشرًا يحتاجون إلى رحمة الله.
حتى الأنبياء ـ وهم صفوة الخلق ـ لم تكن طرقهم مفروشة بالورود.
فنوح عليه السلام، بعد قرون من الدعوة والصبر، وقف ينظر إلى ابنه وهو يبتعد عنه نحو الغرق، فلم تنفعه الأبوة في هداية ولده، ولا نجا الابن من الطوفان لمجرد أنه ابن نبي.
وإبراهيم عليه السلام، أبو الأنبياء وخليل الرحمن، لم يكن أبوه مؤمنًا برسالته، بل وقف في وجهه وهدده وأعرض عن دعوته.
ويعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه حزنًا على يوسف…
وكأن الرسالة الكبرى في القرآن أن الحياة ليست مثالية لأحد…ولكن يمكن للإنسان أن يبقى كريمًا رغم كل شيء.
نحن نتألم لأننا نريد من الدنيا أن تمنحنا الكمال الذي لم تعدنا به أصلًا.
نريد آباء بلا أخطاء.
وأبناء بلا عقوق.
وزواجًا بلا خلاف.
وصحة بلا مرض.
وحياة بلا فراق.
ثم نصطدم كل يوم بحقيقة أن الدنيا لم تُخلق على هذا النحو.
لذلك ربما تكون إحدى علامات النضج الحقيقية أن تتوقف عن سؤال:
“لماذا لم يكن أهلي كما أردت؟”
وتبدأ بسؤال آخر أكثر حكمة:
“كيف أكون أنا أفضل رغم كل ما حدث؟”
فالتعافي لا يبدأ حين نفهم أخطاء آبائنا فقط.
بل حين نقرر ألا نورث أبناءنا الجراح نفسها
وحين ندرك أن أعظم انتصار يحققه الإنسان ليس أن يثبت أن من قبله أخطأ…
بل أن ينجح هو في أن يكون أكثر رحمة، وأكثر وعيًا، وأكثر عدلًا ممن سبقوه.
ففي النهاية…
معظم الناس لم يكونوا أشرارا كما ظننا.
كانوا فقط بشرًا متعبين…يحاولون النجاة من الحياة بما يملكون من علم قليل، وقوة قليلة، وقلوب مثقلة بأحمال لم نرها يومًا..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة