ليست كل هجرة فضيلة…

وليست كل جماعة غادرت أرضا تستحق أرضا أخرى….

فالتاريخ لا يمنح الشرعية لمجرد أن بعض القوم انتقلوا من مكان إلى مكان، وإنما يمنحها للسؤال الذي يأتي بعد ذلك:

– بأي حق وصلوا؟!

– وهل جاءوا ضيوفا أم غُزاة؟

– هل استقبلهم أهل الأرض أم اقتُلِع أهلها من أجلهم؟!

– هل حملوا معهم عقدا اجتماعيا جديدا، أم حملوا بنادق ومستوطنات؟

– هل بُني وجودهم على رضا السكان، أم على موازين القوة الدولية؟!

** وهنا يبدأ الفرق بين هجرتين يتعمد البعض وضعهما في ميزان واحد:

هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى يثرب…

والهجرة الصهيونية إلى فلسطين….

قد يتشابه المشهد ظاهريا :

– قوم يغادرون أرضا… ويتجهون إلى أرض أخرى…

– ثم يقيمون فيها مجتمعا.

لكن التشابه ينتهي عند الصورة، تماما كما يتشابه الطبيب والقاتل في حمل السكين….

فليست الأفعال تُعرف بأشكالها، وإنما بشرعيتها ومقاصدها ونتائجها.

لقد قامت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أركان لا تقوم الشرعية إلا بها:

– دعوة سبقت الهجرة.

– ورضا أهل المدينة…

– وعقد سياسي واجتماعي واضح، تجسد لاحقا في صحيفة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين واليهود وسائر سكانها، وحفظت الحقوق والواجبات.

لم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فاتحا بالسيف…

ولم يقتلع أهلها من بيوتهم….

ولم يأتِ على ظهر أساطيل إمبراطورية عظمى….

بل جاء بعد أن سبقه الإيمان إلى القلوب، وسبقته البيعة إلى الضمائر، وسبقه القبول إلى المجتمع….

أما المشروع الصهيوني، فقد قام على النقيض تماما.

– لم يكن استجابة لدعوة من أهل فلسطين…

– ولم يكن ثمرة عقد اجتماعي مع سكانها….

– ولم يكن انتقالًا إلى أرض خالية.

بل كان مشروعا استيطانيا حديثا، تأسس برعاية قوى استعمارية، وحُمي بقوة السلاح، ثم توسع بالاقتلاع والتهجير ومصادرة الأرض، حتى أصبحت القوة هي مصدر الشرعية الوحيد.

وهنا يكمن الفارق الجوهري الذي يغفله كثيرون….

فالقضية ليست قضية انتقال جماعة بشرية….

بل قضية:

– كيف يُكتسب الحق في الأرض؟

وهذه ليست مسألة دينية فحسب.

بل هي قاعدة إنسانية وقانونية وسياسية أيضا…

فلا القانون الدولي يمنح جماعة حق اقتلاع شعب لإحلال شعب مكانه.

ولا الأخلاق الإنسانية تبيح تحويل مأساة شعب إلى مشروع دائم لاقتلاع شعب آخر.

ولو قبل العالم بهذا المنطق، لأصبح من حق كل جماعة تاريخية أن تعود بعد قرون لتطالب بأراض كانت يوما تحت سلطانها، ولتحولت الكرة الأرضية إلى سلسلة لا تنتهي من الحروب التاريخية.

ولهذا فإن المقارنة بين الهجرتين ليست مجرد خطأ تاريخي…

بل هي خطأ في تعريف الشرعية نفسها…

إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تأسيسا لمجتمع رضائي، بُني على البيعة والقبول والمواثيق.

أما المشروع الصهيوني، فكان تأسيسا لكيان استيطاني، بُني على القوة، ثم سعى بعد ذلك إلى صناعة شرعية بأثر رجعي.

وهذه هي الفكرة التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج المقارنات السطحية…

فليست القضية أن جماعة انتقلت من مكان إلى آخر…

بل أن الأولى بنت وطنا مع أهله…

أما الثانية فبنت دولة على أنقاض وطن غيرها…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

أنت لم تسلبهم شيئًا… لكنك أربكت معادلتهم

بعض الناس لا يحبونك لأنك طيب ولا يكرهونك لأنك سيء… بل لأن وجودك في مرتبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *