تركيا والناتو وروسيا: حين لا يكون التناقض خللا بل سياسة دولة …

من أكثر الأخطاء شيوعا في قراءة السياسة أن الناس يُحاكمون الدول كما يُحاكمون الأفراد.
نطلب من الإنسان أن يكون واضحا في صداقاته وعداواته، مُنسجما في مواقفه، ثابتا على خط واحد، لا يقول الشيء ونقيضه، ولا يضع قدما في طريق وقدما في طريق آخر….
وهذا مفهوم في عالم الأخلاق الفردية، حيث يُمدح الإنسان بوضوحه، ويُذمّ بتلونه، ويُسأل عن صدقه مع نفسه قبل أن يُسأل عن مصلحته….

لكن الدول ليست أفرادا….

الدولة لا تعيش بقلب واحد، ولا تُدار بعاطفة واحدة، ولا تتحرك داخل عالم نقي من المخاطر…
الدولة كائن مركب، تحكمه الجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والسلاح، والطاقة، والحدود، والبحار، والممرات، والخصوم، والحلفاء، والذاكرة، والخوف من الغد.

ولهذا فإن ما يبدو في سلوك الفرد تناقضا قد يكون في سلوك الدولة توازنا.
وما يبدو في خطاب المُعلقين ازدواجية، قد يكون في حسابات صانع القرار فنًّا شاقًا من فنون البقاء.

فليست السياسة، كما يتصور كثيرون، اختيارا دائما بين الأبيض والأسود…
السياسة في أكثر حالاتها جدية هي إدارة المساحات الرمادية:
كيف تختلف مع طرف دون أن تقطع معه؟
كيف تحتاج إلى حليف دون أن تستسلم له؟
كيف تواجه خصما دون أن تدفعه إلى الزاوية الأخيرة؟
كيف تبقى داخل تحالف كبير دون أن تتحول إلى تابع صغير؟

من هنا يمكن فهم السؤال الذي يتداوله بعض المُعلّقين بلهجة الاستنكار:
كيف توافق تركيا داخل حلف الناتو على توصيف روسيا بوصفها تهديدا طويل الأمد للأمن الأوروبي الأطلسي، وهي الدولة نفسها التي اشترت منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400؟
أليس هذا تناقضا يا إحسان؟
الجواب: نعم، إذا قرأنا السياسة كمنشور أخلاقي سريع…
ولا، إذا قرأناها كما تُدار الدول….

فتركيا ليست دولة أطلسية عادية جالسة في طرف آمن من أوروبا، ولا دولة صغيرة تستطيع أن تختبئ تحت مظلة غيرها دون أن تدفع ثمن موقعها…
إنها دولة تقف عند تماس الجغرافيا الصعبة:
البحر الأسود، سوريا، القوقاز، الشرق الأوسط، أوروبا، روسيا، أوكرانيا، مضائق البوسفور والدردنيل، أمن الطاقة، الهجرة، والحدود الملتهبة.

ومن لا يفهم موقع تركيا على الخريطة، لن يفهم سلوكها في السياسة…

الجغرافيا هنا ليست خلفية محايدة، بل هي قدر سياسي…
تركيا تحتاج الناتو كي لا تنفرد بها روسيا…
وتحتاج العلاقة مع روسيا كي لا يحتكر الغرب قرارها…
وتحتاج أوكرانيا كي لا يختل ميزان البحر الأسود….
وتحتاج موسكو كي لا تنفجر ملفات سوريا والطاقة والقوقاز دفعة واحدة.

لهذا لا ينبغي أن نسأل ببساطة: لماذا تتناقض تركيا؟ بل السؤال الأعمق:
هل هذا تناقض فعلا، أم محاولة دولة للنجاة من ضغط الجغرافيا بتحويل التناقض إلى نفوذ؟!

في السياسة، ليست الدولة القوية هي التي لا تختلف مع أحد، ولا التي تُرضي الجميع، ولا التي ترفع شعارا واحدا في كل الملفات…
الدولة القوية هي التي تعرف كيف تجعل موقعها ضروريا حتى لمن يختلف معها.
وهنا تبدأ الحكاية التركية….

تركيا في الناتو، لكنها ليست داخله بلا شروط….
-تخاصم روسيا في أوكرانيا والبحر الأسود، لكنها لا تقطع معها في الطاقة وسوريا والتجارة….
-تشتري السلاح من موسكو، لكنها تجلس في قمة أطلسية تصف موسكو بالتهديد…
– تبيع المُسيّرات لأوكرانيا، لكنها لا تُغلق باب الحوار مع الكرملين.
– تحتاج الغرب، لكنها لا تريد أن تكون نسخة مطيعة من إرادته…
هذه ليست سياسة مريحة….
وليست سياسة بلا أثمان….
لكنها سياسة دولة تريد أن تكبر داخل التحالف لا أن تذوب فيه…..

عزيزي القارئ:
إن أخطر ما يواجه الدول ليس وجود الأعداء….. بل أن تتحول إلى دولة يمكن الاستغناء عنها….
ففي العلاقات الدولية، لا يكفي أن تكون محقًا… ولا يكفي أن تكون قويًا.
بل يجب أن تكون ضروريا.
ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي بعد شراء تركيا منظومة S-400 الروسية:
لماذا اشترتها؟
بل: لماذا عاد الغرب، بعد سنوات من العقوبات والتوتر، إلى الجلوس معها من جديد؟

لقد دفعت أنقرة ثمنا سياسيا وعسكريا كبيرا بعد إتمام الصفقة….
– أُخرجت من برنامج المقاتلة F-35
– وفُرضت عليها عقوبات..
– واعتقد كثيرون أن علاقتها الاستراتيجية مع الغرب دخلت مرحلة اللاعودة.

لكن السياسة لا تعرف كلمة “أبدا” !
فالعلاقات الدولية ليست عقود زواج… إنها ميزان مصالح يتغير كلما تغيرت موازين القوة…. ولهذا جاءت قمة الناتو الأخيرة لتبعث برسالة لافتة.

– لم تتراجع تركيا عن صفقة S-400.
– ولم يتراجع الناتو عن توصيف روسيا بوصفها التهديد الأكبر لأمنه.
ومع ذلك…
جلس الجميع إلى الطاولة نفسها….

بل إن ملفات كانت تبدو مغلقة بدأت تعود إلى النقاش، مثل:
– مستقبل التعاون العسكري،
– وإمكانية إعادة فتح باب البحث في برنامج F-35،
– إلى جانب المضي في صفقات مقاتلات F-16 وتوسيع التعاون الدفاعي….

ولماذا؟
لأن شيئا أهم من الخلافات فرض نفسه….
وسواء أأحببتها أم كرهتها … أصبحت تركيا دولة يصعب تجاوزها فعليّا…
– فالحرب في أوكرانيا جعلت البحر الأسود أحد أهم مسارح الصراع الدولي.
– وسوريا ما زالت عقدة أمنية لا يمكن تجاهل الدور التركي فيها…
– وأمن الطاقة الأوروبي يمر، بصورة أو بأخرى، عبر الجغرافيا التركية.
– وملفات الهجرة والإرهاب والبلقان والقوقاز والشرق الأوسط جميعها تمنح أنقرة وزنًا لا تستطيع أي عاصمة غربية تجاهله.
* وهنا تكمن الفكرة التي يغفل عنها كثير من المحللين.

إن الدول لا تُقاس بما إذا كانت تتفق مع حلفائها في كل شيء.
فهذا لا يحدث حتى داخل الأسرة الواحدة.
وإنما تُقاس بقدرتها على جعل الآخرين يحتاجون إليها رغم الخلاف.
وهذه إحدى أهم قواعد الواقعية السياسية.

لقد لخّص وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر هذا المعنى حين قال:

“ليس من مهام السياسة الخارجية أن يكون لك أصدقاء، بل أن تُحقق مصالحك.”

ورغم الجدل حول شخصيته، فإن هذه العبارة تُلخص المدرسة الواقعية التي حكمت سياسات معظم القوى الكبرى في العصر الحديث.

بل إن المعنى نفسه نجده عند ابن خلدون، حين بيّن أن الدول لا تثبت على حال، وأن قوتها وضعفها يرتبطان بقدرتها على التكيف مع المتغيرات، لا بالجمود على صورة واحدة….
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: هل تناقضت تركيا؟
بل: هل خرجت من القمة وهي أكثر تأثيرا مما كانت عليه قبلها؟

– الجواب، على الأقل حتى الآن، يبدو أقرب إلى نعم….
فأنقرة لم تحصل على كل ما تريد.
لكنها استعادت شيئا لا يقل أهمية عن أي صفقة سلاح…
= استعادت موقعها بوصفها شريكا لا يمكن تجاهله.

وهذا في السياسة مكسب قد يسبق كل المكاسب الأخرى….
لأن الملفات الكبرى لا تُفتح للدول الضعيفة…
بل للدول التي أصبح استبعادها أكثر كُلفة من الحوار معها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ليست كل هجرة فضيلة…

وليست كل جماعة غادرت أرضا تستحق أرضا أخرى…. فالتاريخ لا يمنح الشرعية لمجرد أن بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *