“شكرًا يا أنقرة.”

بعد انتهاء قمة الناتو، لم يكن أكثر ما استوقفني البيان الختامي، ولا الكلمات الطويلة التي قيلت عن الأمن الجماعي، ولا المؤتمرات الصحفية المزدحمة.

بل تغريدة قصيرة جدا.

كتب الحساب الرسمي لحلف الناتو باللغة التركية:

“Teşekkürler, Ankara.”

“شكرًا يا أنقرة.”

قد يمر كثيرون عليها باعتبارها مجاملة بروتوكولية لا أكثر.

لكن في العلاقات الدولية، ليست كل الكلمات متساوية.

الدبلوماسية لا تُقاس بعدد الحروف، بل بما تحمله من رسائل.

فحين يختار أكبر تحالف عسكري في العالم أن يخاطب الدولة المضيفة بلغتها، ويشكرها علنًا بعد سنوات من الخلافات السياسية والعسكرية، فإن الأمر يتجاوز المجاملة.

إنه إعلان هادئ عن حقيقة أكبر:

تركيا لم تعد دولة يمكن تجاوزها….

منذ سنوات، كانت العلاقة بين أنقرة وبعض العواصم الغربية تمر بإحدى أصعب مراحلها.

شراء منظومة S-400 الروسية.

العقوبات الأمريكية.

إخراج تركيا من برنامج F-35.

خلافات شرق المتوسط.

توتر في سوريا.

واختلفوا حتى ظن كثيرون أن تركيا تسير نحو قطيعة استراتيجية مع الغرب.

لكن السياسة لا تعرف العواطف.

ولا تُدار بمنطق الخصومات الشخصية.

بل بمنطق المصالح.

واليوم…

بعد الحرب في أوكرانيا، واضطراب الشرق الأوسط، وأزمة الطاقة، وأهمية البحر الأسود، اكتشف الجميع حقيقة لم تتغير:

يمكن أن تختلف مع تركيا…

لكن يصعب أن تدير المنطقة من دونها.

ولهذا كانت تلك التغريدة، رغم قصرها، تقول أكثر مما قالته بيانات مطولة.

كانت تقول:

لقد عدتم إلى قلب الطاولة.

وهذه ليست المرة الأولى التي تختصر فيها جملة قصيرة تحولًا سياسيًا كبيرًا.

ففي التاريخ، كثيرًا ما سبقت الرموزُ القرارات.

ومهدت الإشاراتُ للاتفاقيات.

بل إن البروتوكول الدبلوماسي نفسه لغة كاملة، تُقرأ فيها المقاعد، وترتيب الأعلام، والمصافحات، ولغة الجسد، واختيار الكلمات، كما تُقرأ البيانات الرسمية.

ولذلك قال رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل عبارته الشهيرة:

“الدبلوماسية هي فن أن تطلب من شخص أن يذهب إلى الجحيم بطريقة تجعله يتطلع إلى الرحلة.”

قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها تكشف حقيقة عميقة:

في السياسة، الطريقة جزء من الرسالة.

بل قد تكون الرسالة كلها.

لكن الأهم من كل ذلك أن قمة أنقرة أثبتت درسًا لا يخص تركيا وحدها.

الدول لا تُقاس بعدد أصدقائها.

ولا بعدد خصومها.

بل بعدد الأطراف التي لا تستطيع الاستغناء عنها.

وهذه هي النقلة التي حققتها تركيا خلال العقدين الأخيرين.

لم تعد تطلب من العالم أن يعترف بأهميتها.

بل جعلت الجغرافيا، والطاقة، والبحر الأسود، والصناعات الدفاعية، والهجرة، وأزمات الشرق الأوسط… كلها تتحدث عنها.

حتى أصبح تجاهلها أكثر كلفة من الحوار معها.

ولعل أجمل ما في تلك التغريدة أنها لم تقل:

“شكرًا لتركيا.”

بل قالت:

“شكرًا يا أنقرة.”

وكأن المدينة التي كانت يومًا عاصمة لدولة توصف بأنها “الجناح الجنوبي للناتو” أصبحت اليوم إحدى العواصم التي تُرسم فيها معادلات الأمن الإقليمي.

قد يختلف الناس حول سياسات تركيا.

وقد يختلفون حول بعض خياراتها.

لكن من الصعب إنكار حقيقة واحدة:

أنقرة لم تعد تقف على باب النظام الدولي تنتظر الاعتراف…

بل أصبحت تجلس إلى الطاولة التي يُعاد فيها رسم خرائط التوازنات.

وفي السياسة…

قد تختصر تغريدة من كلمتين رحلةً طويلة من استعادة المكانة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ليست كل هجرة فضيلة…

وليست كل جماعة غادرت أرضا تستحق أرضا أخرى…. فالتاريخ لا يمنح الشرعية لمجرد أن بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *