من أكثر الحقائق التي بدّلت نظرتي إلى الحياة حقيقة واحدة، تهُزُّ كل ما حولها:
لا شيء سيبقى…
ليس بمعنى أن الأشياء لا تستحق الحب، وإنما بمعنى أنها جميعا مؤقّتة زائلة …
لا زوج يبقى…. .ولا والد….
ولا أم…. ولا ابن…. ولا صديق… ولا بيت….
ولا مال…. ولا جاه……ولا مشروع…. ولا نجاح…. ولا فشل.
ولا صحة….ولا مرض.
ولا فرح…. ولا حزن.
كل ما نراه اليوم عظيما سيأتي عليه يوم يصبح خبرا، ثم ذكرى، ثم أثرا باهتا….
حتى نحن…
سنموت، وستبكي العيون، ثم تجف الدموع، وسيعود الناس إلى بيوتهم، ويأكلون، ويضحكون، ويختلفون، ويواصلون حياتهم، كما فعل من قبلهم مع كل من رحل….
وليس في ذلك قسوة….
بل هذه هي سُنة الله في خلقه؛ لأن الحياة لا تتوقف لأجل أحد….
وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة إدراكا لا حفظا، تتحرر روحه من أثقال كثيرة.
لا يعود ينتظر من الناس وفاء مُطلقا، لأنهم زائلون…..
ولا ينهار إذا خذلوه، لأنهم بشر…. بعد قليل يموت ويموتون ..
ولا يحقد طويلا، لأن الخصومة نفسها ستموت قبل أصحابها….
ولا يبالغ في الفرح بالمدح، لأن الألسنة التي تمدح اليوم ستصمت غدا.
ولا يبالغ في الحزن من الذم، لأن أكثر الذين تكلموا عنه سينسونه بعد حين.
عندها تتغير معايير الحياة كلها….. تصغر المعارك.
وتخفت الضوضاء…. ويبهت بريق المنافسات التي تستنزف الأعمار….
ويصبح كثير مما كنا نظنه قضية مصيرية مجرد تفصيل صغير في رحلة قصيرة…
ليس لأننا فقدنا الإحساس…
بل لأننا عرفنا الحجم الحقيقي للأشياء.
وأحسب أن أعظم ما يعيد ترتيب القلب بعد هذه الحقيقة قول النبي صلى الله عليه وسلم:
“الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما.”
فكأن الحديث لا يدعونا إلى كراهية الدنيا، وإنما يعلّمنا أين نستثمر أعمارنا داخلها.
إذا كانت كل الأشياء ستزول…
فما الذي يستحق أن يبقى معنا بعد الموت؟
ليس المال… ولا الشهرة… ولا الهُتاف ولا الإعجابات….
ولا انتصارات الجدل… ولا إعجاب الناس بك…
إنما يبقى ما اتصل بالله….
علم نافع….
وعمل صالح….
وذِكر …
وأثر يهدي إنسانا…
وقلب أصلحته….
ونفس واسيتها….
وظلم كففته….
وكلمة رفعت بها حقا او جبرتَ بها كسرا ..
وخير تركته يمشي بين الناس بعد رحيلك…
ومنذ أن استقرت هذه الحقيقة في قلبي، تبدلت أشياء كثيرة.
لم أعد أحاسب الناس على مقدار محبتهم لي….
ولا أرهق نفسي بتفسير نياتهم….
ولا أفتش في قلوبهم….
ولا أستنزف عمري في ملاحقة الاعتذار ممن أساء، ولا في انتظار الوفاء ممن قصر…
أصبحت أرحم نفسي من معارك لا يربحها أحد….
وصارت غايتي أبسط، لكنها أعظم….
أن أصل إلى قبري بقلب أقلّ امتلاء بالناس، وأكثر امتلاء بالله.
بقلب لا يحمل ضغينة…. ولا يجرّ وراءه ثأرا….
ولا يقف يوم القيامة يخاصم أحدا إلا في حق لا يسعه تركه.
كلما ضاقت بي الدنيا، أو أثقلني أذى البشر، أو وجدت نفسي على وشك أن أستنزف عمري في أمر لن يغير مصيري، أُردد بيني وبين نفسي كلمتين:
لا شيء باقٍ… سأموت ويموت هذا الذي يؤذيني…
ثم أتبعها بما هو أبقى منها:
إلا ما كان لله….
وهنا يعود القلب إلى موضعه الصحيح…. ويهدأ….
ويعرف أن أعظم أمنية لا أن يقال: كانت ناجحة ..
ولا أن يقال: كانت مشهورة…
ولا أن يقال: كانت محبوبة…
بل أن يقال عند انقطاع العمل كله:
اللهم آنس وحشته في قبره، واجعل خير أيامه يوم لقائك.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة