أزمة السودان… غياب عربي وأجندات خارجية

“امنح الحرب فرصة”، نظرية صاغها المفكر الأمريكي الصهيوني إدوارد لوتواك، دعا خلالها القوى العظمى إلى تجنب العمل على وقف الحروب في دول العالم الثالث، معللًا ذلك بأن استمرار الحروب في تلك الدول يؤدي إلى السلام، وذلك بأن يخرج الطرفان مُنهكيْن أو أن يكون أحدهما قد سحق الآخر.

هذه النظرية التي تنظر إلى دول العالم الثالث باعتبارها كائنات زائدة عن البشرية، ربما تفسر لنا إبقاء الأزمة السودانية في مربع الصراع دون وضع حد لنهاية الحرب التي دمرت البلاد وأكلت الأخضر واليابس، وشردت الملايين من أبناء الشعب السوداني.

يحدث ذلك على الرغم من أنها ليست حربا بين دولتين نوويتين كالحرب بين باكستان والهند التي تفاخر الرئيس ترامب بأنه قد أنهاها، بل هي بين دولة وميلشيات مسلحة، بما يجعل إنهاءها أيسر من التدخل لإنهاء الحرب بين دولتين، فقط لو كانت هناك إرادة دولية لإنهائها.

السودان الجريح يخضع في الوقت الحالي لمرحلة ثانية من التقسيم بعد انفصال الجنوب، والمستفيد قطعًا هو الكيان الإسرائيلي الذي كان سببًا رئيسيًا في ذلك التفتيت عبر جهود متواصلة منذ عام 1956، باعتراف مائير داغان الرئيس الأسبق للموساد الإسرائيلي، وباعتراف رئيس جنوب السودان سيلفا كير في أول استقبال رسمي له في تل أبيب بعد الانفصال والذي أشاد بالجهود الإسرائيلية في دعم انفصال الجنوب طيلة الوقت، وأنه لولاها لما قامت للجنوب قائمة على حد تعبيره.

الحرب الدائرة في السودان لم تعد حربًا داخلية بين قوتين محليتين، بل تحولت إلى ساحة لصراع نفوذ وأطماع من قبل أطراف خارجية، فالولايات المتحدة تركز في عملها ضمن هذا الملف على مواجهة النفوذ الروسي والصيني في السودان. في الوقت نفسه يمثل السودان لأوروبا بوابة لاستعادة الإرث الاستعماري في الدول الإفريقية إضافة إلى طموحها في الاستفادة من ثروات السودان الطبيعية.

وأما الصين التي دخلت اقتصاديًا القارة الإفريقية وبقوة، فإن السودان يمثل لها أهمية كبيرة، حيث تبحث عن دور أكثر حيوية بإنشاء موانئ وقواعد لها في المنطقة.

روسيا صاحبة الحضور القوي في المجالات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية في القارة الإفريقية، تطمح كذلك إلى الحصول على الذهب السوداني من خلال الوجود العسكري عبر شركة فاغنر.

إذا كان هو موقف الدول الإمبريالية من السودان، فلماذا بقي الدور العربي أقل من حجم هذه الكارثة التي لا يخمد أوارها في السودان؟ ولماذا لا تستطيع الدول العربية حسم هذا الصراع؟

هذا السؤال يفرض نفسه بقوة لأن السودان ليست دولة هامشية في الحسابات العربية، هي ثالث أكبر دولة عربية من حيث المساحة (والأولى قبل التقسيم)، وتمتلك موقعًا استراتيجيًا يربط الشمال الإفريقي بالوسط والشرق، ويطل على البحر الأحمر أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إضافة إلى أنه يمثل عمقًا استراتيجًا لمصر، وجسرًا بين المشرق والمغرب العربيين، وامتدادًا طبيعيًا لمنطقة القرن الإفريقي التي صارت مؤخرًا مسرحًا لتنافس إقليمي ودولي متصاعديْن، ولذا فإن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الدولة من شأنه أن يمتد أثره إلى الأمن القومي العربي بأبعاده الأمنية والاقتصادية والسياسية.

ومن هذه الزاوية، فإن السودان جزء من منظومة الأمن العربي، واستقراره ينعكس بشكل مباشر على أمن البحر الأحمر واستقرار مصر وتشاد وليبيا ودول القرن الإفريقي، كما أنه يؤثر في حركة التجارة الدولية والأمن الغذائي العربي نظرًا للإمكانات الزراعية الهائلة التي يمتلكها السودان.

لا ننكر أن هناك دولًا عربية بذلت جهودًا دبلوماسية وإنسانية واستضافت لقاءات ومفاوضات، إلا أن هذه التحركات لم تتبلور في إطار رؤية عربية موحدة تمتلك أدوات التأثير والضغط الكفيلة بإنهاء الحرب.

لقد غابت الرؤية العربية الاستباقية في التعامل مع الملف السوداني في وقت حرج وهو دخول السودان بمرحلة انتقالية معقدة بعد سقوط عمر البشير، حيث تعددت مراكز القوى وتراكمت الأزمات الاقتصادية، وكانت مؤشرات كافية تنذر بإمكانية الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة إذا لم تدعم عملية الانتقال السياسي بمساندة عربية فعالة، إلا أن الاهتمام العربي ظل متقطعًا تحكمه ردود الأفعال أكثر من التخطيط الاستراتيجي.

ولا شك أن النظام العربي يعيش حالة من التراجع المؤسسي، فالجامعة العربية التي يفترض أن تكون إطارًا جامعًا لإدارة أزمات الدول العربية، ضعيفة في قدراتها التنفيذية وفي طبيعة آليات اتخاذ القرار فيها، وهناك تباين في أولويات الدول الأعضاء ومقارباتها للملفات الإقليمية، ما ينعكس على فاعلية المبادرات المشتركة وسرعة الاستجابة.

إن غياب الموقف العربي الموحد الضامن لإنهاء الحرب جاء نتيجة تبني الدول العربية رؤى متعارضة ومقاربات متباينة ومواقف مختلفة حول كيفية إدارة الأزمة ومن الطرف الذي يجب دعمه.

غاب الموقف العربي الفاعل بسبب الرؤية العربية القاصرة التي ترى إمكانية احتواء الصراعات الداخلية بمجرد التوصل إلى اتفاقات بين النخب العسكري أو السياسية، دون أن تعالج الجذور البنيوية للأزمة، فالسودان يعاني منذ عقود اختلالات عميقة بين المركز والأقاليم وهي قضايا لا يمكن حسمها من خلال تسويات مؤقتة أو ترتيبات أمنية محدودة.

لذا يمكن القول أن غلبة الطابع التكتيكي على الاستراتيجي في التحرك العربي تجاه أزمة السودان كان أبرز عوامل الإخفاق في إنهاء الأزمة السودانية بإرادة عربية.

لقد كشفت الحرب السودانية أن الأمن القومي العربي لم يعد مفهومًا نظريًا يقتصر على حماية الحدود، بل أصبح يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الدول العربية على منع انهيار مؤسسات الدولة في أي بلد عربي. فالدول التي تنهار لا تتحول إلى أزمات داخلية فحسب، وإنما إلى بؤر مفتوحة لتدفقات السلاح، والجريمة المنظمة، والهجرة غير النظامية، والتدخلات الخارجية.

ولئن كانت تداعيات الأزمة وخطورتها تمتد إلى الدول العربية، فإن مصر هي الأكثر تضررًا، لأن السودان يمثل لمصر عمقًا استراتيجيًا، والموجة التي ضربت السودان من الاضطرابات والصراعات تهدد بلا أدنى شك الأمن المصري، من ثم وجب عليها القيام بدور أكثر فاعلية في إنهاء الحرب في السودان.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ليست كل هجرة فضيلة…

وليست كل جماعة غادرت أرضا تستحق أرضا أخرى…. فالتاريخ لا يمنح الشرعية لمجرد أن بعض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *