– من أكثر الأخطاء شيوعا أن نتعامل مع الغلو وكأنه مرض يظهر فجأة في عقل شخص ما، أو نتيجة نص ديني قرأه شاب في ليلة واحدة، أو خطبة سمعها فاستيقظ في اليوم التالي متطرفا…
الحقيقة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.
فالغلو لا يولد في الفراغ، ولا ينمو في بيئة صحية ومتوازنة، بل هو في الغالب النتيجة النهائية لسلسلة طويلة من الاختلالات الفكرية والنفسية والاجتماعية والسياسية.
إن الإنسان لا يولد متطرفا، كما لا يولد مجرما ولا فيلسوفا ولا مُصلِحا.
إنما تصنعه البيئة التي يعيش فيها، والأفكار التي يتلقاها، والظروف التي يمر بها، والقدوات التي يتبعها، وطريقة فهمه لنفسه وللعالم من حوله…
ولهذا فإن أول بذور الغلو تبدأ غالبا حين يضيق أفق الإنسان حتى لا يعود قادرا على رؤية العالم إلا من ثقب صغير….
فكل فكرة كبرى في التاريخ تحولت إلى كارثة عندما احتكرها أصحابها لأنفسهم، وظنوا أنهم وحدهم يملكون الحقيقة الكاملة.
ولهذا كان الإمام الشافعي يقول:
“رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.”
أما المتطرف فلا يعرف هذا التواضع الفكري….
إنه يعيش في عالم من اليقين المطلق…
– لا يسأل ليتعلم، بل يسأل ليُدين.
-ولا يستمع ليَفهم، بل ليستعد للرد.
– ولا يرى الناس أفرادا مختلفين، بل يصنفهم في معسكرات متقابلة: معنا أو ضدنا، مؤمن أو خائن، نقي أو منحرف.
ومن هنا تبدأ المأساة….
فالانغلاق الفكري ليس مجرد خطأ معرفي، بل هو بداية الاستعداد النفسي لإلغاء الآخر.
لكن الفكر وحده لا يكفي لصناعة الغلو.
فكثير من المتطرفين لا تدفعهم الأفكار وحدها، بل تدفعهم الجراح أيضا.
فقد يحمل الإنسان في داخله شعورا عميقا بالظلم أو الإقصاء أو الفشل أو الحرمان، ثم يجد في بعض الخطابات المتشددة تفسيرا بسيطا لكل آلامه.
وفجأة يصبح العالم كله مسؤولا عن مأساته الشخصية.
ويتحول الانتقام إلى مشروع أخلاقي.
والغضب إلى فضيلة.
والكراهية إلى عقيدة.
ولهذا قال ابن خلدون قبل قرون: “الظلم مُؤذن بخراب العمران.”
ولم يقل خراب الاقتصاد فقط.
لأن الظلم لا يهدم الجسور والطرق فحسب، بل يهدم النفوس أيضا.
وحين يشعر الإنسان أن القانون لا يحميه، وأن العدالة لا تصل إليه، وأن أبواب الإصلاح مغلقة في وجهه، تصبح بعض العقول أكثر قابلية لتلقي الخطابات المتطرفة.
لا لأنها صحيحة، بل لأنها تمنحه شعورا بالقوة بعد شعور طويل بالعجز.
ومن هنا نفهم لماذا كانت البيئات المضطربة أكثر قابلية لظهور الجماعات المتشددة.
فحين تتراكم الحروب والانقسامات والمظالم والفوضى، لا ينشأ التطرف من العدم.
بل يجد أرضا خصبة ينمو فيها.
ولهذا فإن الفكر المتطرف يشبه البذرة…
أما الظلم والفوضى واليأس فهي التربة التي تسمح لها بالنمو.
وما أكثر من انشغل بملاحقة البذور، وترك التربة على حالها !!
وإذا كان الظلم يصنع البيئة المناسبة للتطرف، فإن غياب المؤسسات الرشيدة يضاعف المشكلة.
حين يغيب التعليم القادر على صناعة العقل الناقد.
وحين تتراجع المنابر العلمية الرصينة.
وحين يتحول بعض الدعاة إلى مجرد موظفين يكررون العبارات ذاتها دون أن يلامسوا أسئلة العصر الحقيقية.
وحين تصبح الشهادات الأكاديمية وسيلة للوجاهة أكثر من كونها وسيلة للمعرفة.
وحين تُنتج الجامعات أبحاثا لا تغير واقعًا ولا تحل مشكلة ولا تلامس حياة الناس.
فإن الفراغ لا يبقى فارغا.
بل يملؤه دائما من يملك الجرأة على الحديث، ولو كان جاهلا.
إن أخطر ما في الغلو أنه لا يبدأ بحمل السلاح.
بل يبدأ بفكرة صغيرة جدا:
فكرة أنني أفضل من الآخرين.
وأنني أفهم الدين أكثر منهم.
وأن الله منحني حق محاسبتهم.
وأن المجتمع كله ضال إلا من وافقني.
وأن الخلاص لا يكون بالحوار والإصلاح والصبر، بل بالإقصاء والتكفير والتحطيم.
= عند هذه النقطة يبدأ الإنسان بالخروج من:
= دائرة الدعوة إلى دائرة الوصاية.
= ومن دائرة الإصلاح إلى دائرة الإدانة.
= ومن دائرة الرحمة إلى دائرة القسوة.
= ثم تأتي المراحل اللاحقة تباعا.
ولهذا لم يكن النبي ﷺ يحذر من الانحراف الفكري فحسب، بل كان يحذر من الغلو نفسه، فقال:
“إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين.”
لأن الغلو لا يقتل الدين أولا.
بل يقتل الإنسان باسم الدين…
إن مواجهة التطرف لا تكون بالشعارات وحدها…
ولا بالسجون وحدها…
ولا بالخطب وحدها….
= بل ببناء الإنسان…
=بإقامة العدل.
=وبفتح أبواب الأمل.
= وبإحياء المؤسسات العلمية الرصينة.
= وبتعليم الناس أن القوة ليست في كراهية الآخرين، بل في القدرة على التعايش معهم دون التفريط بالمبادئ.
= فالوسطية التي جاء بها الإسلام ليست منطقة رمادية بين الحق والباطل.
= بل هي أعلى درجات القوة العقلية والروحية.
أن تتمسك بالحق دون أن تتحول إلى ظالم.
وأن ترفض الباطل دون أن تصبح نسخة أخرى منه.
وهذه هي المعادلة التي نجحت فيها الحضارات المزدهرة، وفشلت فيها الحركات المتطرفة عبر التاريخ.
فكل تطرف يبدأ بشعار كبير… وينتهي غالبا بكارثة أكبر….
أُذكّر نفسي وإياكم:
راقبوا الذين يرفعون رايات الإصلاح كما تراقبون الذين يتهمونهم بالفساد.
فالتاريخ مليء بأقوام حاربوا الظلم بألسنتهم، ثم أعادوا إنتاجه حين وصلت السلطة إلى أيديهم. ..
فالناس لا تحتاج فقط إلى من يفضح الفساد، بل إلى من لا يتحول إلى فاسد جديد حين تتبدل المواقع وتتغير الموازين..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة