لا تحكم على طريقة نجاة أحد… فأنت لم تشهد تفاصيل غَرقِه ولا وسائل نجاته!

من أكثر أوهام البشر رسوخا أنهم يظنون أنهم يعرفون الناس….

يراهم يضحكون، فيحكمون أنهم سعداء….

ويراهم صامتين، فيحكمون أنهم متكبرون….

وإن رأوهم يعملون بلا توقف، حكموا بأنهم جشعون.

وحين يراهم يعتزلون الناس، يحكمون أنهم معقدون.

أما إذا رآهم يكتبون كثيرا، فيحكمون أنهم يبحثون عن الاهتمام والتقدير….

ولا يخطر ببالهم أن كل ما يرونه قد لا يكون إلا طريقة إنسان يائس ليبقى على قيد الحياة وحسب…..

فالناس لا ينجون بالطريقة نفسها….

هناك من ينجو بالكلام….

وهناك من ينجو بالصمت….

من ينجو بالبكاء….

ومن ينجو بالضحك….

من ينجو بالعلم…

ومن ينجو بالعمل….

ومن ينجو بالهجرة….

ومن ينجو بالعبادة….

ومن ينجو بأن يغلق بابه على نفسه سنوات حتى يُعيد ترميم ما تهدّم في داخله.

وهناك…

من لا ينجو أصلا….

لكنه يُتقن أداء دور الناجي حتى لا يُشفق عليه أحد.

كان الناس يظنون أن يوسف عليه السلام انتقل من بئر إلى قصر….

لكن القرآن يحدثنا عن رحلة أطول بكثير….

رحلة رجل كان ينجو في كل مرة بطريقة مختلفة….

نجا في البئر بالصبر….

ونجا في بيت العزيز بالعفة….

ونجا في السجن بالعلم….

ونجا في السلطة بالعدل….

ولم تكن النجاة حدثا واحدا……

بل كانت سلسلة طويلة من الانتصارات الخفية التي لم يرها أحد…..

ولهذا لم يقل الله إنه نجا مرة واحدة، بل قال:

﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾…..

فالنجاة ليست دائمًا أن تخرج من الأزمة… بل أن تخرج منها دون أن تخسر نفسك.

كتب الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل، الذي نجا من معسكرات الاعتقال النازية، أن الإنسان يستطيع احتمال ما لا يُحتمل إذا وجد معنى لما يحتمله.

ولم يقل إن الناس يتحملون بالطريقة نفسها…. بل رأى أن لكل إنسان طريقته الخاصة في مقاومة الانهيار….

ولهذا خرج بعض المعتقلين قديسين… وخرج آخرون محطمين…

وخرج غيرهم بأجسادهم فقط، بينما بقيت أرواحهم هناك.

ويكتب كارل يونغ أن الإنسان لا يشفى لأن الألم اختفى، وإنما لأنه تعلم كيف يحمل ألمه…

وهذا فرق هائل…..

فنحن كثيرًا ما نظن أن الشفاء يعني انتهاء الجرح….

بينما الحقيقة أن كثيرا من البشر يعيشون العمر كله بجروح لم تلتئم، لكنهم تعلموا كيف يمشون بها.

ولهذا كان من أبلغ ما قيل:

“كن لطيفا، فكل من تقابله يخوض معركة لا تعرف عنها شيئا”

ورغم أن هذه العبارة ليست حديثا نبويّا، فإن معناها يكاد يختصر قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾….

وكأن القرآن يربينا على أن الإنسان لا يملك الصورة الكاملة حتى يحاكم الآخرين…

بل إن الله وحده هو الذي يعلم ما تخفي الصدور…

كم من رجل يبتسم لأنه لو توقف عن الابتسام لبكى….

وكم من امرأة تهتم بتفاصيل بيتها لأنها لو جلست وحدها دون أن تنهمك بتلك التفاصيل لانكسر قلبها.

وكم من كاتب يكتب لأنه لو سكت لاختنق….

وكم من عالِم يقرأ بلا توقف لأنه يحتمي من أسئلة الحياة بأسئلة المعرفة….

وكم من أُمّ تفرط في رعاية أولادها لأنها تعالج بهم طفولة لم تعشها….

وكم من ناجح يعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم، لا حُبّا في المال، بل هربا من صوت داخلي لا يسكت….

لسنا جميعًا نسير…

بعضنا يهرب….

وبعضنا يقاوم….

وبعضنا يتظاهر أنه بخير….

لهذا أخاف دائمًا من الأحكام السريعة….

أخاف ممن يقول:

“لو كنت مكانه لفعلت كذا “…

أبتسم عندما أسمع هذا من أحدهم …. لأنه ببساطة لم يكن مكانه….

ولم يحمل طفولته… ولا خيباته… ولا خوفه… ولا وحدته.

ولا الليالي التي لم ينمها… ولا الكلمات التي لم يخبر بها أحدا.

كُلّ واحد فينا يخوضُ معركته الخاصة ….

ولهذا تختلف طرائق النجاة….

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لأخيه الإنسان ليس النصيحة…

ولا الحلول…

ولا الأحكام…

بل مساحة آمنة لا يضطر فيها إلى تمثيل القوة….

فليس كل صامتٍ مُتكبرا….

ولا كل ضاحكٍ سعيدا….

ولا كل ناجحٍ متعافيا …

ولا كل مُتماسكٍ قد نجا…

وفي المرة القادمة، حين يوقظك الفضول لتفتش في حياة إنسان، أو تستغرب طريقته في العيش، أو تسخر من رد فعله، أو تُهينه لأنه لم يرُد على رسالة منك او اتصال… تذكر حقيقة واحدة:

ربما لو حملت حِمله يوما واحدا… لاخترت الطريقة نفسها للنجاة….

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

مصائد الموت في غزة

يرى بعض العلماء أن ذاكرة السمك لا تتجاوز ثلاث ثوان، لذا يظل يقبل على التهام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *