في الظهور السياسي والعسكري لا مجال للعشوائية، فالصورة دائمًا تكون تعبيرًا عن توجّه السياسيين والعسكريين، أو تكون منصة لإطلاق رسالة ما إلى جهة ما.
ولئن كانت لغة الجسد تُقرأ بعناية خلال ظهور الشخصيات الرمزية على الرغم من أنها يمكن تأويلها، فكيف لو كان الظهور يحمل لافتة عدائية صريحة!
“منشآت الغاز في رأس غاز- قطر”، هي الترجمة العربية لعبارة كتبت باللغة الفارسية على صواريخ إيرانية، ظهرت خلال عرض عسكري نظمته إيران أمام حشود جماهيرية في شوارع طهران الثلاثاء المنصرم، قبل ساعات من انتهاء مدة الهدنة مع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي والتي تم تمديدها لاحقا.
المشهد الذي أثار جدلًا واسعًا يتضمن في حقيقته ردًا على طريقة (وشهد شاهد من أهلها) على كل أولئك الذين برروا القصف الإيراني الذي استهدف دول الخليج بحجة أن إيران تقصف القواعد والمنشآت الأمريكية على أراضي تلك الدول.
بعض المؤيدين لإيران، اعتبروها استعراضًا تعبويًا موجهًا للداخل الإيراني، فما زادوا حقيقة الاستهداف الإيراني للخليج إلا تأكيدًا، فمن المفترض أن تحمل الرسائل التعبوية هذه أهدافًا أمريكية أو إسرائيلية، أو على أقصى تقدير المنشآت الأمريكية في الخليج، لكن كيف يمكن التبرير لإقحام منشأة مدنية استراتيجية حيوية مثل مجمع رأس لفان الصناعي – أحد أكبر مراكز إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم – ضمن قائمة الأهداف الإيرانية، أو حتى ضمن الخطاب التعبوي الموجه للداخل الإيراني؟
أي متابع منصف سوف يدرك دون عناء أن هذا الحدث يعبر عن توجهات إيرانية باستهداف دول الخليج واقتصاداتها والبنى التحتية للطاقة فيها، فمن يستقرئ وقائع القصف المتكرر، سيدرك أن إيران قد استهدفت في دول الخليج مصافي وحقول النفط ومنشآت الغاز – من بينها رأس لفان قطر- والموانئ والمصانع، فما علاقة كل هذه الأهداف بالصراع الإيراني مع أمريكا وإسرائيل!
المبررون للعدوان الإيراني على الخليج لديهم إشكاليات ومغالطات جسيمة، قالوا إن إيران تستهدف القواعد والمنشآت الأمريكية فحسب، فكذبتهم الصواريخ الإيرانية التي أمطرت المنشآت المدنية ومنشآت الطاقة في الخليج.
قالوا إن دول الخليج تستحق هذا العداء لأنها تستضيف القواعد الأمريكية على أراضيها، وتجاهلوا أن هناك أكثر من 128 منشأة عسكرية تابعة لأمريكا في 51 دولة في العالم، لم تقصف إيران منها سوى تلك التي تتواجد على أرض الخليج.
تجاهل هؤلاء أن دول الخليج لم تناصب إيران العداء، بل كانت تتجه لعلاقات دبلوماسية واقتصادية إيجابية معها قبل الحرب، واستنكرت الضربات التي طالت إيران في بداياتها، وأعلنت خلال الحرب رفضها عن استغلال أراضيها لشن هجوم على إيران، ولم تنطلق من قواعدها طائرة أمريكية واحدة، فماذا تفعل دول الخليج أكثر من ذلك لتبقى على الحياد؟
وأبشع ما وقع فيه هؤلاء المبررون، إقحامهم القضية الفلسطينية في الأزمة، فطالما أن إيران تتقاتل مع الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على فلسطين فينبغي دعمها قلبا وقالبا.
ولنا هنا أن نتساءل:
هل تخوض إيران الحرب دفاعًا عن فلسطين؟
قطعًا لا، فإيران لم تطلق صاروخا على دولة الاحتلال من أجل فلسطين، لم تطلق إلا في صراعها الخاص، وردًا على الاعتداءات الإسرائيلية.
هل أدرجت إيران القضية الفلسطينية في مسوداتها لأي مفاوضات مع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي؟
كلا، فكلها تركز حول المشروع النووي والقدرات الصاروخية والعقوبات الاقتصادية ولا ذكر للقضية الفلسطينية فيها.
السؤال الأهم: هل هناك حتمية وتلازم بين تأييد إيران في مواجهة الصهاينة، وتأييد إيران في الاعتداء على دول الخليج؟
في الحقيقة هذه حتمية مفرطة في الجور، وصاحبها يسلك طريقين متناقضين، فكيف تؤيد قصف عدو لأنه يحتل دولة عربية مسلمة، وتؤيد في الوقت ذاته قصف دول عربية مسلمة أخرى؟!
برأيي إن استهداف الخليج هو غباء إيراني منقطع النظير، ويقينًا لو لم تقع منها الاعتداءات على تلك الدول لكانت قلوب شعوب الخليج والعالم العربي والإسلامي كلها مع إيران في قصف الاحتلال، ولتغافلت عن الآثار الوخيمة التي خلفها المشروع الإيراني في دول المنطقة، لكنها بذلك الفعل الآثم قد استجلبت عداوة لن تمحيها الأيام.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة