موسم الحج … حين تعجز الأهواء عن مجادلة الواقع …

من السهل أن يتحدث المرء عن الوَحدة الإسلامية وهو جالس خلف شاشة، ومن السهل أن يرفع الشعارات عن خدمة المسلمين، أو أن يكتب المقالات الحماسية عن أُخوّة الدين وأواصر العقيدة.

لكن الفارق الحقيقي بين الكلام والواقع يظهر حين يجتمع أكثر من مليون وسبعمائة ألف إنسان، قدموا من أطراف الأرض، واختلفت لغاتهم وأعراقهم وثقافاتهم وأعمارهم وأوضاعهم الصحية، ثم يتحركون في زمان واحد، ومشاعر محدودة، ومناسك متتابعة، دون أن يتحول المشهد إلى فوضى تعجز عن تنظيمها والسيطرة عليها أَعتى الدول وأضخم المؤسسات.

هنا لا تعود القضية قضية رأي…. ولا قضية انطباعات… ولا حتى قضية مواقف سياسية…. ولا انحياز ديني ..

بل تصبح قضية حقائق ماثلة أمام الأبصار.

ولهذا فإن أكثر ما يزعج أصحاب الخصومات المزمنة ليس وقوع الأخطاء، فالأخطاء جزء من كل عمل بشري، وإنما يزعجهم أن ينجح العمل رغم كل ما تمنوه له من تعثُّر…

ذلك أن بعض الناس لا ينظر إلى الوقائع ليبني موقفه، بل يبني موقفه أولًا، ثم يفتش في الوقائع عما يخدمه.

فإن وجد ثغرة ضخّمها حتى تملأ الأفق….

وإن رأى إنجازًا التفت عنه كأن شيئًا لم يكن….

وكأن الاعتراف بالحق هزيمة، لا فضيلة.

مع أن الله تعالى أمر بالعدل حتى مع من نختلف معهم…

قال سبحانه: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا.. اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.

والعدل هنا ليس شعارا يُرفع عند الخصومات، بل امتحان أخلاقي لا ينجح فيه إلا من غلب هواه….

إن إدارة الحج ليست مجرد ترتيبات أمنية أو صحية أو خدمية، بل هي اختبار سنوي لقدرة المسلمين على صيانة واحدة من أعظم شعائر الإسلام.

وفي كل حاج يعود إلى أهله سالما، وفي كل مريض أُسعف، وفي كل تائه اهتدى إلى طريقه، وفي كل عجوز أتم نسكه مطمئنا، قصة نجاح لا يراها كثير من الناس لأنهم اعتادوا رؤية النعمة حتى ظنوها أمرًا طبيعيا.

والحقيقة أن أعظم الإنجازات هي تلك التي تمنع الكوارث قبل وقوعها، وتحفظ الأرواح قبل أن تُهدد، وتجعل ملايين البشر يؤدون عبادتهم ثم يعودون إلى أوطانهم دون أن يشعروا بحجم الجهد الذي بُذل لأجلهم.

ولهذا يبقى الحج، عاما بعد عام، شاهدا على حقيقة يغفل عنها كثيرون:

أن الحضارة ليست ما يُقال على المنابر، ولا ما يُكتب في البيانات، ولا ما يُتداول بدافع النكايات السياسية…

بل ما ينجح على الأرض.

فالصخب يصنعه كثيرون… ويستطيعه أي أحد..

أما الإنجاز…. فلا يصنعه إلا العامِلون بحقّ ومن قلوبهم…

شكرا للمملكة العربية السعودية التي لم ترث شرف المكان فحسب، بل حملت تبعاته ومسؤولياته وأعباءه الثقيلة أمام الله ثم أمام المسلمين….

وشكراً للرجال الرجال… للذين لا تُعرف أسماؤهم، لكن تُعرف آثارهم.

للذين لا تعنيهم الكاميرات، بل يقفون في الميدان….

للذين يتركون أعمالهم تتحدث عنهم، فلا يحتاجون إلى ضجيج المزايدين ولا إلى شهادات الحاقدين.

أما الخصومات فتذهب مع أصحابها… وأما الإنجاز فيبقى شاهدًا لا يُجادل.

ويبقى الحاج الذي عاد إلى أهله سالما، والمريض الذي وجد العلاج، والضعيف الذي وجد العون، أعظم شهادةٍ تُكتب في سجل هؤلاء الرجال.

فجزى الله بلاد الحرمين خير الجزاء… وحفظها وحفظ قادتها ورجالها وأهلها…

وأدام عليها شرف خدمة بيته الحرام وضيوفه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

واشنطن وطهران بين كلفة الانتظار وكلفة الحسم

تصريحات متفائلة، أجواء إيجابية في المفاوضات، خلافات قابلة للحل، نبرات تصعيدية، تقدم نسبي، استئناف المباحثات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *