“كلام الوالد جرحني قبل أن يجرح أهل الدير..حقكم محفوظ، وخليهم يمسحوها بلحيتنا”.
بهذه الكلمات عبر الرئيس السوري أحمد الشرع عن أسفه، مبديًا اعتذاره لأهل دير الزور عما بدر من والده حسين الشرع من تصريحات اعتبرت إهانة لأهل الدير، أثارت استياءهم، وقاموا على إثرها بعمل احتجاجات غاضبة.
بهذا الاعتذار التاريخي لأهل دير الزور، احتوى الرئيس السوري الأزمة تمامًا، خاصة بعد استدراك والده وبيان أنه لم يقصد الإساءة، موضحًا علاقته المتينة بأهل هذه المنطقة.
الأزمة انتهت، لكن بقيت دلالاتها على تلك التحولات التي لا تخطئها أية قراءة منصفة للمشهد السوري، خاصة فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع.
الغضب الذي قوبلت به التصريحات في حد ذاته دلالة تحول جذري، فطيلة العقود التي حكمت فيها عائلة الأسد، ومع الواقع الاستبدادي المقيت الذي عانى منه السوريون في هذه الحقبة وإمعان الأسد في إذلال الشعب وقهره واستهدافه بالقتل والتشريد والاعتقال وكبت الحريات، لم يكن الشعب ليستطيع التعبير عن غضبه بسبب مثل هذه التصريحات، ولم يكن في قاموس هذه العائلة التي استقوت بالسلطة أن تبدي اعتذارها عن أية أخطاء، وأقصى ما يمكن أن يتم: قيام الإعلام بإنكارها أو تبريرها أو التقليل من شأنها.
لكن ما حدث في هذه المرة كان مختلفًا، إذ عبرت جموع أهل الدير عن غضبها الشديد، في أريحية تامة، دون خوف من القمع أو القهر، وإن كنت لا أتفق مع مسلك التهديد الذي سلكه البعض، ففي النهاية التصريح جرى على لسان شخصية غير رسمية وإن كان والد الرئيس، يحق لهم انتقاده والتعبير عن غضبهم بشأنه، دون إقحام الرئيس والنظام في المعادلة، ولكن يُلتمس لهم العذر بسبب الحساسية المناطقية والعشائرية الشديدة التي تراكمت في المجتمع السوري على مدى حكم آل الأسد.
لقد أظهرت الأزمة تحولًا إيجابيًا يتعلق بالمجتمع السوري، أنه بات أكثر حساسية تجاه أي شعور بالإهانة أو التنقيص أو الإقصاء، ولم يعد المجتمع مستعدًا للقبول بثقافة الاحتقار، وأقول إنه تحول إيجابي لأن المجتمعات الحية القوية هي التي تذود عن كرامتها، المجتمعات الهشة وحدها هي التي تفقد الحساسية تجاه الإهانة.
ثم تأتي رسالة الشرع واعتذاره، متضمنة رسائل واضحة بشأن هذه التحولات بين السلطة والمجتمع، مفادها إعلاء كرامة المواطن السوري، وعدم تجاهل أية إساءة موجهة لأية منطقة سورية، وأن الدولة التي خرجت للتو من رحى الحرب لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار المنشآت والمؤسسات والطرق فحسب، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء الثقة الوطنية.
لقد عانت سوريا كثيرًا من التشظي والانقسام والكراهية بين فئات الشعب وأطيافه بسبب سياسات النظام البائد، وساد التخوين وانعدمت الثقة، وفي ظل آثار هذا المناخ تغدو الكلمات والتصريحات بالغة الخطورة، وأي خطاب يحمل نبرة احتقار أو تنميط أو استعلاء سيعيد فتح جراح لم تلتئم بعد، والقيادة السورية تعي ذلك جيدًا، لذا تحرص على التعامل بروح العائلة السورية الواحدة، وتبنّي رسائل أخلاقية تدمج وتوحد.
الاعتذار تضمن تحولا هامًا يتعلق بالمصارحة والمكاشفة، فلقد كان بإمكان الرئيس تجاهل الغضب الشعبي وترك الأمر لموجة التبريرات المعتادة التي تطلقها المنابر الإعلامية الرسمية، أو كان بإمكانه أن يبرر لوالده بأنه قد أُسيء فهمه، أو أن الجماهير بالغت في ردة الفعل، أو ربما حوّل دفة الموضوع وأخذه في ناحية بعيدة كأن يقول أن هناك جهات تقف وراء هذه الفتنة وتستثمر فيها.
لكن الشرع قد اعترف بخطأ والده، وأعرب عن استيائه البالغ وأن التصريح قد جرحه قبل أن يجرح أهالي دير الزور، وهذا تأسيس جيد لأسلوب إدارة يلتزم قيم المصارحة والشفافية والمكاشفة.
هناك الكثير من المجتمعات ينظر إلى الحاكم فيها باعتباره امتدادًا لعائلته حاملًا لعصبيتها وليس مسؤولا عامًا، فهو مظلة حماية لعائلته لا تعلو فوقهم مؤسسة أو قيمة مهما كانت. استقواء العائلة برأس السلطة يجعلها فوق مستوى أي نقد أو محاسبة، فجاء هذا الاعتذار من رأس السلطة معربًا عن انتهاء تلك العلاقة غير الشرعية بين السلطة والعائلة.
هذا الاعتذار رمزية سياسية، فهو ليس موجهًا إلى أهل منطقة نالت منهم التصريحات المسيئة فحسب، وإنما كان موجهًا إلى فكرة متجذرة في الثقافة العربية في كثير من الدول، فكرة أن الدم يعلو على الدولة، وأن العصبية أقوى من المسؤولية العامة.
الحدث كان اختبارًا للقيادة السورية الجديدة في المعايير الأخلاقية، فالجماهير سواء أهل الدير أو غيرهم، وقفوا يترقبون ردة فعل الرئيس، وإلى أي جهة سوف ينحاز، هل ينحاز إلى رابطة الدم فيتجاهل الموضوع أو يقوم بتغطيته مستنسخًا طبيعة النظام السابق ولو بطريق أكثر لطفًا؟ أم ينحاز إلى كرامة الشعب السوري ويبث في وجدانه الأمل أنه بات يعيش عصرًا تحفظ فيه كرامته؟
مثل هذه المواقف على رمزيتها تأسيس لسلوك إداري قائم على الاحترام المتبادل بين السلطة والمجتمع، والخروج على نمط التباين في تعامل السلطة مع المركز وتعاملها مع الأطراف، وهذا المنحى هو عين ما تحتاجه سوريا في هذا التوقيت الحرج، وهو كذلك الصبغة التي تصبغ الإدارة الجديدة الرامية إلى سوريا موحدة، خاصة في ظل التحديات الضخمة التي تواجهها تلك الدولة للنيل من وحدتها وإخضاعها عمليًا لمخططات التقسيم.
لذا نستطيع القول أن سوريا تكتب الآن عقدًا اجتماعيًا جديدًا، قائمًا على الاعتراف بالحقوق والاحترام المتساوي والانتماء الوطني المشترك.
اعتذار الشرع الذي قد يسطحه البعض، ليس مجرد موقف أخلاقي من الرئيس، وإنما هو انتصار لسوريا الجديدة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة