العلاقات الإنسانية لا تموت ولا تنتهي دفعة واحدة…

هي تموت أولا في الواقع، ثم يُصِرّ الناس على قتلها مرة أخرى في الذاكرة.

لا يكتفون بانتهاء الطريق، بل يعودون إلى سنوات كاملة من المودة ليحاكموها بأثر رجعي.

صديق رافقك عشرين عاما يصبح في لحظة خلاف مجرد “مخدوع” أو “منافق” أو “سيئ النية”.

وشريك رحلة طويلة تُمحى حسناته كلها لأن النهاية لم تعجبنا.

ورفيق علم أو عمل أو نضال تُهدم صورته في أذهاننا لأن الطرق افترقت بعد أن كانت مجتمعة.

وكأن البشر لا يحتملون فكرة أن شيئا جميلا قد ينتهي دون أن يكون كذبة.

ولا يحتملون أن يفترق اثنان دون أن يتحول أحدهما إلى مُتّهم.

ولهذا فإن كثيرا من الناس لا يؤلمهم الفراق بقدر ما يؤلمهم سقوط الصورة التي صنعوها عن الفراق.

فهم لا يبحثون عن الحكمة في النهاية، بل عن الجاني.

ولا يسألون: لماذا انتهت المرحلة؟

بل يسألون: من الذي يجب أن نكرهه الآن؟

وهكذا تتحول الذكريات إلى ساحات محاكمات، وتتحول الأعمار المشتركة إلى ملفات اتهام، وتضيع بين ضجّة الخصومة حقيقة بسيطة جدا:

أن بعض الناس كانوا خيرا في مرحلة من حياتك، وإن لم يكونوا جزءا من مرحلتك القادمة.

وأن بعض العلاقات أدت رسالتها كاملة ثم انتهت كما تنتهي الفصول، لا كما تنتهي الجرائم.

ولعل من أعمق الدروس التي يغفل عنها الناس في قصة موسى والخضر عليهما السلام أنها لم تكن درسا في العلم فقط، بل كانت درسا في الفراق أيضا.

فمن أرقى مشاهد القرآن أن يفترق رجلان صالحان، دون أن يتحول أحدهما إلى شيطان في رواية الآخر.

لقد اجتمع نبي كريم بعبد صالح اصطفاه الله بعلم لم يؤته لموسى.

وسار الاثنان معا.

وتعلّم أحدهما من الآخر.

وتحمل موسى ما استطاع من الحيرة والأسئلة.

ثم جاءت اللحظة التي قال فيها الخضر:

﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾.

لم يقل:

هذا عداء بيني وبينك.

ولم يقل:

هذا بغض بيني وبينك.

ولم يقل:

لقد سقطت من عيني.

ولم يقل:

أنت خصمي من اليوم.

قال فقط:

﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾.

فقد يفترق الناس ويبقى الاحترام.

وقد تنتهي الصحبة ويبقى الدعاء.

وقد تتباعد الطرق ويبقى الفضل.

وقد تختلف الأدوار دون أن تختلف القلوب.

لكن البشر ـ للأسف ـ لا يجيدون هذا النوع من الفراق.

فإذا اختلفنا مع إنسان ألغينا فضله.

وإذا افترقنا عن رفيق دفنا ذكريات العمر معه.

وإذا خاصمنا صديقا صادرنا كل جميل فعله يوما.

وكأن سنوات المودة كانت خطأ.

وكأن العشرة الطويلة كانت وهما.

وكأن الإنسان لا يخطئ إلا إذا كان شريرا منذ البداية.

ولهذا جاء القرآن يربي النفوس على خلق نادر:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.

تأملوا…

لم يقل: لا تنسوا الحب بينكم.

ولا قال: لا تنسوا المصلحة بينكم.

بل قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.

لأن الفضل هو آخر ما يبقى عندما يرحل كل شيء.

الفضل هو الذكريات التي لا يجوز أن نكفر بها.

والأيادي التي لا يليق أن ننكرها.

والجميل الذي لا ينبغي أن ندفنه تحت ركام الغضب.

ومن أعجب ما يصيب الناس أنهم يظنون أن الفراق يلزم منه فساد أحد الطرفين.

فإذا افترق عالم عن عالم قالوا: من المخطئ؟

وإذا افترق داعية عن داعية قالوا: من المنحرف؟

وإذا انتهت صداقة قالوا: من الخائن؟

مع أن الحياة أعقد من هذه الثنائية الساذجة.

فالخضر كان صالحا….وموسى كان صالحا.

ومع ذلك افترقا.

ليس لأن أحدهما فاسد.

بل لأن لكل منهما طريقا ووظيفة وحدودا للتكليف.

وفي هذا درس بالغ العمق.

فليس كل من تركك يكرهك.

وليس كل من ابتعد عنك يحتقرك.

وليس كل من غادر طريقك صار خصما لك.

أحيانا يرحل الناس لأن ظروفهم تغيرت.

وأحيانا لأن مراحل العمر تبدلت.

وأحيانا لأن لكل إنسان رسالة مختلفة.

وأحيانا لأن الله يفتح لكل واحد بابا غير الباب الذي فُتح للآخر.

والمؤلم أن أكثر الناس لا يدركون ذلك إلا بعد سنوات طويلة.

بعد أن يستهلكوا أعمارهم في الخصومات، وتتبع العثرات، ومحاولات إثبات من كان على حق.

ثم يكتشفون في النهاية أن الحياة كانت أقصر من أن تُهدر في تصفية الحسابات.

إن النضج الحقيقي لا يظهر حين نحب من يوافقنا.

بل حين نفترق عمن نحب دون أن نتحول إلى أعداء.

والأخلاق لا تظهر في ساعة الوفاق، بل في ساعة الفراق.

في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان قادرا على الانتقام لكنه يختار الإنصاف.

وقادرا على التشويه لكنه يختار الصمت.

وقادرا على النسيان لكنه يختار الاعتراف بالفضل.

ولهذا فإن من أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان في حياته:

أن بعض الناس كانوا نعمة في مرحلة معينة من عمره، حتى وإن لم يكونوا جزءا من مرحلته القادمة.

وأن بعض الصحبة كانت خيرا عظيما، وإن لم يُكتب لها الدوام.

وأن بعض الأبواب أُغلقت لا لأن خلفها شرا، بل لأن دورها في القصة قد اكتمل.

فليس النبل أن تحسن إلى من بقي معك فقط.

بل أن تحفظ الجميل لمن افترق عنك.

وأن تتذكر أن كثيرا من الناس الذين لم يعودوا في حياتك اليوم كانوا يوما جزءا من رحلتك إلى ما أنت عليه الآن.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

كيف يولد الغُلوّ ؟ ولماذا يتحول أحيانا إلى عنف؟

– من أكثر الأخطاء شيوعا أن نتعامل مع الغلو وكأنه مرض يظهر فجأة في عقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *