في حين أن الناس يطلبون من الحياة أن تكون بيضاء بالكامل أو سوداء بالكامل…
يدهشنا الشعر العربي القديم بقدرته العجيبة على رؤية الإنسان كما هو، لا كما نتمنى أن يكون….
من أكثر الشعراء الذين امتلكوا هذه القدرة زهير بن أبي سلمى، ذلك الحكيم الذي لم يكن يكتب قصيدة بقدر ما كان يكتب خلاصة عُمر وتجربة وتأمُّل طويل في طبائع البشر.
يقول زهير:
ومن لم يُصانع في أمور كثيرة …. يُضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
ثم يقول في البيت الآخر:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه…. يهدّم ومن لا يظلم الناس يُظلم
—
للوهلة الأولى قد يبدو أن البيتين يدعوان إلى شيء من المواربة أو القسوة أو حتى الظلم، لكن القراءة العميقة لمعلقة زهير تكشف أن الرؤية الكلية للقصيدة أبعد من ذلك بكثير….
فزهير لم يكن يمدح الظلم، ولم يكن يحتفي بالقوة المجردة، ولم يكن يدعو إلى افتراس الناس قبل أن يفترسوك…
بل كان يصف العالم كما رآه بعد عمر طويل من الاحتكاك بالبشر.
لقد كان يدرك أن الإنسان لا يعيش في مدينة الملائكة، بل في عالم تتصارع فيه المصالح والشهوات والأطماع والمخاوف.
ولهذا لم يقل: اظلم الناس.
بل قال: من لا يظلم الناس يُظلم.
والفرق بين العبارتين هو الفرق بين من يصف المرض ومن يدعو إليه.
إنه لا يقدم وصية أخلاقية، بل يقدم تشريحا اجتماعيا…
كأنه يقول: احذر أن تتصور أن مجرد طيبتك تكفي لحمايتك…
فالذئاب لا تتوقف عن الافتراس لأن الخراف حسنة النية….!
والتاريخ كله يروي القصة نفسها.
* كم من أمة ظنت أن حسن المقاصد يغنيها عن القوة فضاعت….
وكم من قائد ظن أن النزاهة وحدها تكفي لإدارة الصراع فابتلعته قوى أكثر تنظيما وجرأة….
وكم من إنسان صالح دخل الحياة بقلب مفتوح للجميع فعاد منها مثقلا بالجراح…
ولهذا قال زهير:
ومن لم يذُد عن حوضه بسلاحه يُهدم…
فالحوض هنا ليس مجرد بئر ماء…
الحوض هو الوطن….
والأسرة….
والكرامة…
والفكرة…
وعزّة النفس.. وُحرية الروح .. والحق… بل والأمل ..
وكل ما لا تحرسه بيدك سيتكفل غيرك بأخذه منك.
إن السنن الإلهية في الكون لا تعرف الفراغ…. فإذا لم تحرس حقك ضاع.
وإذا لم تدافع عن فكرتك ذابت…
وإذا لم تصن حدودك تجاوزها الآخرون….
لكن عبقرية زهير الحقيقية تظهر حين ننظر إلى المعلقة كلها لا إلى بيت واحد.
فهو في مواضع أخرى يدعو إلى الصلح، ويُمجّد الحكمة، ويُثني على الذين أطفأوا نار الحرب، ويحتفي بالعقل أكثر من احتفائه بالسيف.
وهنا تتجلى عظمة الرؤية….
فزهير لا ينتمي إلى مدرسة السذاجة التي تعتقد أن العالم يقوم على المحبة وحدها…
ولا إلى مدرسة التوحش التي تعتقد أن العالم لا يحكمه إلا البطش.
بل يقف في المنطقة الأصعب بينهما : “منطقة الحكمة” …
حيث تعرف متى تمد يدك بالسلام.
ومتى تمسك السيف.
ومتى تصفح.
ومتى تقف بحزم.
ومتى تصانع.
ومتى ترفض.
ولهذا لم تكن أبياته متناقضة.
بل كانت تصف جانبين من النفس البشرية ومن الاجتماع الإنساني.
فالفضيلة بلا قوة قد تتحول إلى ضحية.
والقوة بلا فضيلة قد تتحول إلى طغيان.
أما الحكمة فهي أن تعرف كيف تجمع بين الأخلاق والقدرة، بين الرحمة والحزم، بين حسن النية وحسن التقدير.
وربما لهذا بقي شعر زهير حيا بعد أكثر من ألف وخمسمائة عام.
لأنه لم يكتب عن قبيلته فقط….
بل كتب عن الإنسان….
والإنسان، مهما تبدلت الأزمنة، ما يزال يواجه السؤال نفسه كل يوم:
كيف يبقى صالحا في عالم ليس كله صالحا؟
وكيف يحافظ على أخلاقه دون أن يتحول إلى فريسة؟
وكيف يحمل قلبا أبيض دون أن يسلم رقبته لكل عابر طريق؟
ذلك هو السؤال الذي حاول زهير الإجابة عنه، وما زلنا نحن نحاول الإجابة عنه إلى اليوم…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة