الدنيا لا تمشي على خطٍّ مستقيم، ولا تعطي أحدا عهدا بالبقاء على حال.
هي تقلّب الناس كما تقلّب الريح ورق الشجر:
ترفع هذا قليلا، وتخفض ذاك قليلا، ثم تذكّر الجميع أن العلوّ فيها مؤقت..
وأن الانخفاض فيها ليس نهاية.
قد يكون تحت التراب من يزورك في المنام فيوقظ فيك حنينا..
وقد يكون فوق التراب من يمرّ بك فلا يرد السلام…
قد تسكن قصرا، ويضيق صدرك حتى لا تجد فيه موضع نفس، وقد تسكن غرفة صغيرة أو كهفًا من العزلة، فيشرح الله صدرك كأن السماوات دخلت إليه.
قد يحيط بك إخوة وأخوات وعشيرة كبيرة .. ولكنك تعيش وحيدا، وتمشي وحيدا، ثم يرسل الله لك من الغرباء من يكونون أحنّ عليك من القريب.
لهذا لم يسمّها الله “العُليا”، بل سماها الدنيا؛ لأنها أدنى من أن تكون غاية، وأقصر من أن تكون مقاما، وأضعف من أن يُسلَّم لها القلب…
قال تعالى:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
وقال:
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
المشكلة ليست أن نعيش الدنيا، بل أن نصدّقها….
أن نمنحها قلوبنا كاملة، ثم نتفاجأ حين تخوننا كما خانت من قبلنا…
الدنيا تُعلّمك كل يوم أن الظاهر لا يكفي للحكم…
كم من غني يمدّ يده للحرام، وكم من فقير يتصدق بما لو فقده جاع…
كم من أبيض المظهر يسكنه السواد، وكم من أسود الظاهر يشعّ منه نورٌ لو وُزّع على مدينة لأضاءها…
كم من صديق وقريب أكرمته وأدخلته بيتكَ فطعن ظهرك، وكم من عدوّ قد يحفظ لك حياة أو كرامة في لحظة لا تتوقعها…
لهذا كان الميزان الحقيقي ليس ما تملك، بل ما يبقى منك حين تفقد ما تملك.
ليس البيت، ولا اللقب، ولا الشهرة .. ولا المال، ولا عدد الواقفين حولك، بل القلب الذي تلقى الله به.
قال إبراهيم عليه السلام:
﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
القلب السليم هو رأس المال الذي لا يأكله التضخم، ولا تسرقه الورثة، ولا تحجبه المناصب، ولا يسقط بانقلاب الأحوال….
كل شيءٍ بعده زينة عابرة.
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾
تأمل كلمة زينة.
لم يقل: حقيقة الحياة.
لم يقل: ضمان الحياة.
لم يقل: نجاة الحياة.
قال: زينة….
والزينة تُبهج العين، لكنها لا تُشبع الروح إذا جاعت، ولا تنقذ القلب إذا ضاع، ولا ترافق الإنسان إذا دخل قبره….
يرحل الإنسان، فيرجع أهله، ويرجع ماله، ويبقى عمله….
كم جمع الناس، ثم صار ما جمعوه سبب خصام من بعدهم….
وكم تعبوا في بناء ما لم يسكنوه إلا قليلا، وتركوه لمن ربما لم يعرف قيمة تعبهم.
وفي النهاية يقال في كتب المواريث: “هلك هالك وترك…”
لا يُذكر لقبه، ولا منصبه، ولا هيبته، ولا صوته الذي كان يملأ المجالس.
هلك هالك… وترك….
كأن اللغة نفسها تُجرّده من أوهامه، وتعيده إلى حقيقته.
ولهذا قال النبي ﷺ:
“يتبع الميتَ ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله.”
ما أوجع هذه الحقيقة، وما أرحمها في الوقت نفسه.
أوجعها لأنها تكسر غرورنا، وأرحمها لأنها تدلّنا على ما يستحق أن نعيش له.
لا تندم على إحسان بذلته، ولو وُضع في غير موضعه….
الإحسان لا يضيع لأنه لم يكن عقدا بينك وبين الناس، بل كان أمانة بينك وبين الله.
قد ينسى الناس يدك، لكن الله لا ينسى أثرها…
قد يجحد من أسعدته لحظاتك، لكن تلك اللحظات كُتبت عند من لا تضيع عنده مثقال ذرة….
قال تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾
لا تقل: لم يكن يستحق….
قل: أنا كنت أحتاج أن أبقى كريما، حتى لو لم يكن هو جديرا بكرمي.
فالطيبة ليست سذاجة دائما؛ أحيانا هي مقاومة داخلية ضد أن يصنعك أذى الناس على صورتهم.
والناس حين يُجرحون يكشفون حقيقتهم.
بعضهم إذا طُعن قلبه صار نسخة ممن آذاه، وبعضهم إذا مُكّن من الانتقام أوقفته روحه عند باب العفو.
وهؤلاء هم الكبار حقّا؛ الذين إذا قدرت أيديهم، سبقت رحمة قلوبهم.
قال ﷺ:
“ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.”
القوة ليست أن تردّ الضربة بضربة، ولا أن تملك لسانا يؤذي كما أُوذيت.
القوة أن تستطيع الهدم ثم تختار البناء، وأن تقدر على التشويه ثم تحفظ الستر، وأن تأتيك الفرصة على طبق من ذهب لتنتقم، فيصرفك ضميرك إلى العفو.
والعجيب أن الإنسان يظن مستقبله انتهى من أول عثرة.
ينظر إلى ضيق اللحظة كأنه قدر العمر كله.
ينسى أن الأنبياء رعوا الغنم ثم قادوا الأمم، وأن يوسف عليه السلام بدأ في الجب، ثم السجن، ثم انتهى إلى خزائن الأرض.
لو حكم يوسف على مستقبله من ظلمة البئر، لما رأى تأويل الرؤيا.
ولو حكم موسى على قدره يوم خرج خائفا يترقب، لما علم أنه يمضي إلى رسالة ستغيّر وجه التاريخ.
لا تحكم على غدك من وجع اليوم…. فالله يُخرج من الكهف شرح صدر، ومن السجن تمكينًا، ومن الفقد عوضًا، ومن الانكسار بابًا لم تكن تراه.
﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾
وانتظر الفرج كأنك على موعد معه.
ليس لأن الحياة سهلة، بل لأن الله كريم.
تأخر الفرج لا يعني أنه لن يأتي….
ربما يتأخر ليأتي كاملا، وربما يتأخر حتى تنضج أنت لاستقباله، وربما يتأخر لأن الله يدفع عنك بانتظاره شرّا لا تراه.
نحن قوم مستعجلون….
نريد الجواب قبل اكتمال السؤال، والفتح قبل تمام الابتلاء، والراحة قبل أن تتربى أرواحنا على الصبر.
لكن أقدار الله مبطنة بالرحمات، حتى حين تلبس ثوب الوجع.
ومحال أن يذهب لغيرك شيء كتبه الله لك.
قد يتأخر، قد يدور، قد يأتي من طريق لم تخطر لك، لكنه لن يخطئ عنوانك.
وما لم يُكتب لك، لو ركضت خلفه عمرك كله، أفلت منك عند آخر خطوة.
لذلك اطمئن.
ليس الاطمئنان غياب الأسباب، بل حضور اليقين.
أن تقول لنفسك في ضيقها: ربي أعلم بي مني، وأرحم بي من خوفي، وأقدر على أمري من تدبيري.
وفي قلب هذا كله تبقى الصلاة….
ستظل في دائرة الضياع ما دامت الصلاة خارج دائرة اهتمامك.
الصلاة ليست واجبًا ثقيلًا يُؤدّى على الهامش؛ إنها عمود المعنى في اليوم كله.
لهذا جاء النداء: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح.
كأن الفلاح لا يُطلب بعيدًا عنها، وكأن من ضيّع موعده مع الله، سيظل يتأخر عن نفسه.
كيف يفلح قلب لا يسجد؟
كيف يثبت إنسان لا يطرق الباب الثابت؟
كيف ينجو من ازدحام الدنيا من لا يختلي بربه خمس مرات ليعيد ترتيب داخله؟
نحن في امتحان، وفي أي لحظة قد تُسحب الورقة.
لا أحد يعرف متى ينتهي وقته.
لذلك ركّز في ورقتك، ولا تنشغل بأوراق الناس.
لا تجعل عمرك كله مراقبة لما رُزق غيرك، ولا تتعب قلبك في تتبع من ظلمك، ولا تجعل حسد الناس لك يأخذ من وقتك أكثر مما يأخذ عملك لله.
وفي النهاية، لا يبقى إلا هذا السؤال:
ماذا ستأخذ معك؟
لن تأخذ البيت، ولا الحساب، ولا الاسم، ولا عدد المعجبين، ولا انتصارات الجدل، ولا محاضر الخصومات، ولا وجوه من لم يردوا عليك السلام.
ستأخذ قلبك… وعملك… وما خبأته لله حين لم يكن يراك إلا الله.
فاستغفر.
سامح.
صلِّ.
تصدّق.
أحسن ولو جُحد إحسانك….
ولا تشوه سمعة من كرهت؛ فالغضب لا يعطيك حق الظلم، والكراهية لا تمنحك رخصة البهتان.
ثم امضِ خفيفا… فالذي ينتظرنا أطول من الذي عشناه، والذي عند الله أبقى من كل ما نخاف فواته هنا.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا.
واجعل الباقيات الصالحات زادنا إذا انقطعت الأسباب، ورجع الأهل والمال، وبقي العمل.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة