منطق الجدار المغلق: لماذا ينهار الحوار أمام العصبيّة

لا تُرهق نفسك في مناقشة من اتخذ من الفكرة خندقا، ومن الشعار جدار صدّ، ومن الموروث غير المُجرّب يقينا لا يُراجَع ولا يُنتقد…

فثمة فرقٌ دقيق بين من يبحث عن الحقيقة ومن يبحث عمّا يؤكد ما يعتقده؛ الأول يفتح النوافذ، والثاني يُحكم إغلاقها ثم يشتكي ظلمة الغرفة !

إنك حين تجادل هذا النمط، لا تدخل حوارا، بل ستصطدم بمنظومة نفسية بُنيت على الدفاع مهما كان الأمر… لا على الفهم مهما بلغت أهمية الفهم…

فهو لا يصغي ليُدرك، بل ليترصّد موضعا يردّ فيه…

وما يظنه “حجّة” ليس إلا تراكما منقولا لم يمرّ على ميزان التمحيص؛ يلتقط من هنا وهناك، يكدّس نصوصا بلا سياق، ويُشيّد منها يقينا هشًّا ينهار لو مُسّ بسؤال صادق.

وقد عبّر ابن خلدون عن هذا المعنى بعمق حين أشار إلى أن المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب؛ فالعقول حين تُهزم داخليا، تبحث عن يقينٍ مستعار تستتر به.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “انظر إلى ما قيل، ولا تنظر إلى من قال”،

وهي قاعدة تهدم كل عصبيّة تجعل الفكرة رهينة صاحبها لا رهينة برهانها.

إن أخطر ما في هذا النمط أنه يُقدّس ما لم يختره؛ ورثه وراثة نفسية، ثم أضفى عليه مسحة العصمة….

فإذا مستَ هذا “المقدّس الوهمي”، ثار لا لأن الحقيقة اهتزّت، بل لأن هويته اهتزّت؛ فيتحول النقاش من بحثٍ في المعنى إلى معركةٍ على الوجود…

هنا تتوارى الحُجج، ويتقدّم الانفعال، ويغدو الصوت العالي بديلا عن الفكرة العميقة.

ولذلك شبّه بعض الحكماء مجادلة هذا الصنف بالنقش على الماء؛ لا لأن الكلام عديم القيمة، بل لأن السطح الذي يُكتب عليه يرفض الأثر.

وقد لخّص مارك توين هذا المأزق ساخرا: “لا تجادل الأحمق؛ سيُنزلك إلى مستواه ثم يغلبك بخبرته”. ..

وليس المقصود ازدراء الناس، بل التحذير من استنزاف الوعي في معارك لا تُثمر.

ومع ذلك، فإن الموقف الأخلاقي لا يقف عند حدود التجاهل البارد….

فهؤلاء ليسوا أعداءً بقدر ما هم ضحايا سرديات مغلقة؛ سُجِنوا في قوالب ضيّقة، فصاروا يظنونها العالم كله.

إنهم يذودون بشراسة عن قلاعٍ بُنيت داخلهم، لا عن حقائقٍ خارجهم…

ومن هنا يتسرّب إليك شعورٌ مركّب:

حزمٌ في عدم الانجرار، ورحمةٌ في التمنّي لهم بالانفتاح.

الوعي ليس أن تربح كل جدال، بل أن تختار معاركك….

وليس العقل أن تحفظ ألف نصّ، بل أن تعرف موضع كل نص، وسياقه، وحدوده.

وقد قال فرانسيس بيكون: “قليلٌ من الفلسفة يميل بالعقل إلى الإلحاد، وعمقٌ منها يردّه إلى الدين”- والمعنى أن السطحية تُضلّل، والعمق يُنقذ؛ في كل مجال.

فدعهم وشأنهم حين يتحول النقاش إلى صخبٍ بلا غاية….

واشتغل بما ينفع: قراءةً تُنقّي، وسؤالًا يُحرّر، وحوارًا مع من يختلف ليقترب لا ليقصي….

فإن أُتيح لك أن تقول كلمة، فلتكن كلمةً تفتح بابا لا تُغلقه، وتُهدي ضوءًا لا تُشعل حريقًا.

وإن غلبك الشعور بشيء، فليكن شفقةً لا شماتة، ودعاءً لا ادعاء: أن يُخرج الله القلوب من ضيق اليقين المستعار إلى سعة الحقيقة المُتحقّقة، ومن ضجيج التلقين إلى سكون الفهم، ومن غريزة الدفاع إلى شجاعة السؤال.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المعاني النبيلة إلى أدوات تهدئة جماعية…

ليست المشكلة في أن تُمدح القناعة… ولا في أن يُذكر الزهد…ولا في أن تُستحضر النصوص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *