الطغاة لا يسقطون وحدهم… نحن نُسقطهم في داخلنا أولا ..

الطاغية لا يبدأ من القصر….

يبدأ من داخلكَ أنت .. حين نخاف أكثر مما نفهم، ونُطيع أكثر مما نُفكّر، ونصفّق أكثر مما نُسأل أو نساءل !

ثم يكبر فينا ويتضخّم… لأننا نُطعمه يوميا:

-مرة بالسكوت

-ومرة بالمجاملة

– ومرة بالكذب الأبيض الذي يصير أسود مع الوقت،

– ومرة بتبرير القبح لأننا لا نريد وجع المواجهة….

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾…

هذه ليست آية وعظية تُعلّق على الجدران… بل قانون ” سقوط وصعود”…

فالدولة التي لا تُصلح أخلاقها في السرّ، ستُفسد سياساتها في العلن..

والمجتمع الذي يُجيد الصلاة ويخون المعنى الذي شُرِعت من أجله الصلاة ذاتها… سيُنتج طاغية “مُتدينا” بوجهين، أو طاغية “مدنيا” بألف قناع…

الطغيان ليس فقط أن يرفع الحاكم صوته أو يضرب بيدٍ من حديد وأجهزة أمنية واعتقالات وتغييب قسري ومنفى….

الطغيان أن يُطفئ الناس أصواتهم من تلقاء أنفسهم….

أن يتحول الخوف إلى دين، والنجاة الفردية إلى عقيدة، والحق إلى رفاهية لا يقدر عليها إلا الشجعان….

أخطر ما في الطاغية أنه لا يحتاج أن يقنعك أنه قوي…

يكفي أن يقنعك أنك ضعيف…!

وحين تقتنع… تُصبح أنت حارسه دون أن يدفع لك راتبا …

تراقب نفسك، تُؤدّب كلماتك، تُقزّم أحلامك، وتتعلم فنّ “الانحناء الذكي” حتى لا تُكسر أو تُنغّص عليك تفاصيل يومك ..

ثم تتفاجأ بعد سنوات أنك لم تنحنِ فقط… بل زحفت.

نحن لا نُهزم يوم يُعتقل رجل حر بحقّ لا يستعرض ولا يبحث عن بطولات زائفة…

بل نُهزم يوم نُصدّق أن الحرية تُهمة وأن المُطالبة بالحقوق جريمة…

نُهزم يوم نرى المظلوم ونقول: “الله يعينه” ثم نُكمل قهوتنا كأننا لم نسمع شيئا.

نُهزم يوم نُعيد تعريف الشرف: فيصبح “الصمت” حكمة، و”السكوت عن الظلم” تعقُّلًا، و”تقبيل اليد” أدبا…

ممكن تكون حكيم وعاقل ومؤدب وتُراعي سلامتك.. دون أن تنحني أو ترضخ أو تتنازل.. فقط توقّف عن ادّعاء ما ليس بك أو لك ..

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”؟

وهذه ليست جملة تاريخية… بل سؤال حاضر…

من الذي استعبدنا اليوم؟

هل هو رجل واحد؟ أم منظومة؟ أم خوف متراكم؟ أم شهوة أمان رخيص؟

أم نحن… حين قبلنا أن نعيش نصف حياة مقابل نصف سلامة؟

الطغاة لا يصنعون دولة من العدم…

هم فقط يستثمرون في عيوب المجتمع….

-كل كذبة صغيرة تبرّرها لنفسك في معاملاتك اليومية بعيدا عن السلطة أو السياسة… هي لبنة في قصر ذلك الطاغية الذي تسعى لإسقاطه أو الحدّ من وحشيته ..

-كل نفاق اجتماعي نمارسه كي “لا نخسر أحدا “… هو حصن إضافي لحُكمه…

جهلكَ وتبعيتُك لجماعة ولو كانت ضدّه في العلن هي حلواه المُفضّلة لو كنت تُدرك هذا يا صاح !

-كل مرة نخاف فيها من قول الحقيقة لأننا نريد أن نبدو “لطيفين”… نُسلّم رقبتنا مجانا له ولزبانيته….

في السياسة، الطغيان لا يعيش بالسلاح فقط….

يعيش بالقصص أيضا ،،

بالرواية التي تقول لك: “لا بديل” إلا تلك الجماعة أو ذلك التيار…

بالتهديد الذي يهمس: “الفوضى أسوأ” !

بالإعلام الذي يربّي فيك ردّ فعل بدل أن يزرع سؤالا.

وبالنخب التي تتقن بيع الخوف بربطة عنق.

لكن الطغيان الحقيقي… لا يُسقطه انقلاب على الحُكم أو القصر ..

بل يُسقطه انقلاب داخلي.

حين يتغيّر معنى الكرامة في قلب الإنسان.

حين يقرر الفرد أنه لن يشتري سلامته بذُلّ غيره.

ولن يشتري حُريّته باتّباع قطيع طاغية أخر !

حين يتوقف المجتمع عن صناعة الأصنام من بشر، وعن تعليق فشله على رجل واحد، وعن انتظار “المُخلّص” كأنه نبي جديد.

الطاغية لا يسقط يوم يموت… يسقط يوم يفقد هيبته في النفوس.

يوم نكفّ عن تبرير القُبح…. والقُبح ليس ملكيا دائما بل قد يكون القُبح كل القُبح في تنظيم أو حزب أو تيار بمعزل عن كونه بلحية أو بغير لحية ..

يوم نصير صادقين بما يكفي لنرى أنفسنا بلا مساحيق…

ولهذا، لا تسألني: كيف يسقط الطغاة؟

اسألني أولا: كيف يسقط الطاغية الذي يسكن خلاياك؟

الذي يُرعبك من كلمة حق…. وكلمة الحق ليست فقط تلك التي تُقال في وجه أهل السلطة.. بل أيضا في وجه الذين يحسبون أنهم البديل الأجمل والأكمل والأنسب لتلك السلطة …

الطاغية الذي يجعلك تُصفّق لما لا تؤمن به فقط لأن التيار الجارف والذباب أقوى من قدرتك على طرح رأيك مُجرّدا بلا اعتبار لسخط أو مذمّة !

الطاغية الذي يُقنعك أن النجاة أهم من المعنى الذي خلق الله من أجلها أسباب النجاة ..

الطاغية الذي يُعلّمك أن “الرأس المنخفض” لا يراه السيف… ثم تنسى أن الرأس المُنخفض لا يرى السماء…. وأن انخفاض الرأس ليس فقط ذلك الذي يكون أمام الحاكم أو من يدور في فلكه .. بل عندما تُسلّم عقلك لجماعة أو تنظيم أو حزب او بطل أنجز بطولات في ناحية وتُلبسه ثوب العصمة كذلك …

التحرر لا يبدأ في الشارع…

يبدأ حين تسترد نفسك من داخلك….

حين تقول: أنا لا أريد حياة تُدار بالخوف….

ولا وطنا يُدار الرهبة ..

ولا دينًا يُستخدم كقيد بدل أن يكون نورا ..

ومن هنا تبدأ المعركة:

ليس مع الطاغية فقط… بل مع النسخة التي صنعها الطاغية منك…

نسخة تعتذر كثيرا ..

تخاف كثيرا ..

تساوم كثيرا ،،

وتسمي ذلك “حكمة”.

والحقيقة؟

إن الحكمة ليست أن تنجو وحدك.

الحكمة أن تنجو وأنت لا تخسر روحك…

لأن الطغاة لا يسقطون وحدهم…

نحن نُسقطهم في داخلنا أولا ..

فهل سقط كل الطواغيت من قلبك؟ بكلّ أصنافهم وأنواعهم؟

إن حدث ذلك .. أرسل لي وأخبرني عن أصل حكايتهم معك !

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

مصائد الموت في غزة

يرى بعض العلماء أن ذاكرة السمك لا تتجاوز ثلاث ثوان، لذا يظل يقبل على التهام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *