‏من زمن الجماعة إلى زمن الفكرة

‏من زمن الجماعة إلى زمن الفكرة

‏ومن “الدولة داخل الدولة” إلى “الوعي داخل المجتمع”…

‏ليس السؤال: هل سقطت الحركات الإسلامية؟

‏بل: هل انتهت صلاحية “التنظيم” بوصفه قالبا للتأثير؟

‏الربيع العربي لم يهزم الإسلام كمرجعية

‏لكنه هزّ بعنف فكرة “الكيان المغلق” الذي تخيل أنه قادر على حمل الدعوة والسياسة والخدمة والاقتصاد والإعلام ووووو في قبضة واحدة !!

‏كأن المجتمع مزرعة…

‏وكأن التنظيم هو وحده صاحب البذرة والماء والظل…

‏ثم جاءت الصدمات لتكشف الحقيقة الباردة:

‏حين يصبح التنظيم أكبر من الفكرة يخنقها..

‏وحين يصبح أثقل من المجتمع يلفظه المجتمع !

‏لا لأن المجتمع كافر بالمعنى…

‏بل لأن المجتمع يكره أن يتحول إلى تابع داخل مشروع يدّعي أنه يمثله..

‏تعثر الربيع العربي كان لحظة فرز لا لحظة خذلان،

‏الجماهير لم تتراجع عن حلم الحرية،

‏لكن خصوم التغيير فهموا القاعدة الذهبية في إدارة الشعوب:

‏لا تضرب الفكرة مباشرة

‏اضرب بُنيتها

‏لا تناقش الدم

‏اقطع الشرايين!

‏ومن هنا بدأت الحرب على “التنظيم” لا على “الإسلام”

‏لأن الإسلام لا يُستأصل

‏أما التنظيم فيمكن حصاره وتجريمه وتشويهه

‏ثم تركه يتآكل من الداخل حتى يتحول إلى عبء على أصحابه…

‏وقد قال ابن خلدون: “إن الدول تقوم بالعصبية وتنهار إذا فسدت عصبيتها”..

‏والتنظيمات أيضا تقوم بعصبية

‏فإذا استبدلت الفكرة بالولاء

‏واستبدلت القيم بالطاعة

‏تحولت العصبية من حماية إلى قيد

‏ومن رابطة إلى مقبرة !

‏تونس قدمت لحظة اختيار مؤلمة: البقاء السياسي أم هوية الجماعة..

‏حين فصلت “النهضة” الدعوي عن السياسي لم تكن تخلع الدين

‏بل كانت تخلع وهما قديما: أن السياسة محراب نية!

‏السياسة اليوم ساحة نفوذ وشرعية واقتصاد وهوية

‏ومن يحمل الدعوة على كتف والسياسة على كتف

‏سيتلقى الضربتين معا..

‏فتسقط الدعوة بتعثر السياسة

‏وتُحاصر السياسة بتشدد الدعوة

‏ثم يدخل في استنزاف بلا نهاية..

‏النهضة امتلكت هامشا للمناورة

‏أما مصر فكانت مواجهة مع دولة عميقة وتوازنات إقليمية لا تسمح بعودة مشروع مستقل…

‏وهنا يصبح فصل الدعوي عن السياسي قرارا وجوديا

‏محاولة لإنقاذ الروح حين يُحاصر الجسد..

‏المشكلة ليست في الإسلام السياسي

‏بل في “التنظيم السياسي” حين يتحول إلى صورة تهديد..

‏الأنظمة لم تكتف بإسقاط حكومات الربيع

‏بل سعت لإسقاط فكرة التنظيم من وجدان الناس

‏فقدمتها كمرادف للخطر والسرية والتآمر والتسلط!

‏وبذلك صنعت ظاهرة أخطر:

‏أن يتحول جزء من المجتمع إلى حارس للسجن

‏لا حبا في الاستبداد

‏بل خوفا من البديل..

‏قال جورج أورويل: “اللغة الفاسدة تفسد التفكير”

‏وهكذا فسد التفكير حين صارت كلمات مثل “الصحوة والالتزام والمشروع ” تُهم جاهزة

‏وصار التدين نفسه يحتاج إلى اعتذار سياسي كي لا يُفهم كتهديد!

‏في النهاية أقول:

‏الفكرة لا تموت

‏لكن القوالب تموت..

‏والأمة لا تخسر حين تتغير أدواتها

‏بل تخسر حين تقدس أدواتها حتى تصبح هي الدين بدل الدين!!

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ليست المشكلة أن تُخطئ، بل أن تظن أنك لم تخطئ !

في الشرق الأوسط… ليست المشكلة أن تُخطئ، بل أن تظن أنك لم تخطئ !تظنّ القوى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *