لا خير في امرئ إذا خاصم فجر

من أخطر ما أصاب وَعينا الجمعي في هذا الزمن، أن السياسة لم تعد مساحة اختلاف، بل تحولت عند كثيرين إلى ساحة انتقام….
لم يعد الخصم خصما في الرأي، بل صار عدوا في الوجود….
ولم تعد الفكرة تناقَش، بل صار صاحبها يذبَح ليُذبح -رُبما بعد قليل- على يد آخر لا يقلّ عنه شراسة …!
وما بين الأمس واليوم تتبدل الأحكام كما تتبدّل العناوين في الشاشات:
-بالأمس نرفع إنسانا إلى السماء
– واليوم نخسف به الأرض…

لا لأن الحق تبدل، بل لأن المزاج تبدّل، ولأن الخلاف السياسي صار عند البعض مبررا لتدمير السُمعة، وإحراق التاريخ، وسحق الكرامة.

إن الفجور بالخصومة ليس شجاعة، وليس قوة موقف، وليس “وضوحا” كما يتوهم أصحابه، بل هو علامة سقوط أخلاقي يتخفى خلف قناع الحماسة…
هو أن تتحول اللغة من بيان إلى طعن، ومن نقد إلى شتيمة، ومن اختلاف إلى اغتيال معنوي….
هو أن تصبح الكلمة رصاصة، والاتهام سلاحا سهلا، وأن تُستباح النيات والأعراض بحجة “الانتصار للقضية” أو المسألة محلّ النقاش أو الخلاف، بينما الحقيقة أن القضية نفسها تُهان حين تُحمل على أكتاف الفجور والكذب والدناءة.

والأخطر من ذلك أن هذا الانحدار لا يحدث في فراغ، بل يحدث بين إخوة وأبناء عمومة، وبين أهل بلد واحد، وبين أناس يجمعهم الخبز والذكريات والرحم قبل أن يجمعهم أي موقف سياسي…

نحن لسنا غرباء عن بعضنا حتى نمارس هذا القتل المعنوي بدم بارد، ولسنا أعداء على جبهة حرب حتى نعتبر الخصومة رخصة مجانية لإهانة الآخر…
وما يفعله “الفجور بالخصومة” أنه يقتل ما هو أعمق من الخصومة نفسها:
يقتل الثقة، ويهدم الجسور، ويجعل المجتمع شظايا متنافرة لا تلتئم.

في تاريخ الإسلام، كان الاختلاف قائما، وكانت الفتن قائمة، وكانت السياسة تشتعل أحيانا كما تشتعل النار في الهشيم، لكن الأخلاق كانت هي الحد الفاصل بين من يطلب الحق ومن يطلب الغلبة….

ولذلك جاء القرآن ليضع ميزان العدل في لحظة الغضب لا في لحظة الرضا،
فقال ربّ العزة: “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”.

هذه الآية ليست خطابا مثاليا للملائكة، بل هي خطاب واقعي للبشر حين تشتد الخصومة، حين يغلي الدم، وحين يصبح الظلم سهلا ومغريا…
ومع ذلك يظل العدل واجبا، لأن الأخلاق لا تختبر مع الأحبة، الأخلاق تختبر مع الخصوم.

ومن هنا نفهم لماذا كان الفجور بالخصومة مؤشرا خطيرا في ميزان الدين والمروءة، لأنه يعني أن الإنسان لم يعد يملك حجته، فاستعار الشتيمة…
ولم يعد يملك برهانه، فاستدعى التخوين…
ولم يعد يملك فهما، فاستدعى الشيطنة….

وهذا أخطر ما في الأمر: أن تتحول السياسة إلى ماكينة لإنتاج الكراهية، ثم نُسمّي ذلك وعيا وجُرأة، بينما هو في الحقيقة انفعال جماعي يتغذى على الهدم.

وتاريخ الحروب والنزاعات يعلمنا درسا قاسيا:
الناس تتصالح في النهاية، لكنهم يندمون طويلا على الكلمات التي قالوها…
لأن الرصاصة تقتل جسدا وتنتهي، أما الكلمة فتقتل ذاكرة وتبقى…

كم من خصوم تصالحوا بعد سنوات، ثم جلسوا في لحظة صدق يتذكرون ما قيل، فيكتشفون أن الجرح الأكبر لم يكن في الخسائر، بل في الإهانات، في الطعن، في التشويه، في ذلك الفجور الذي لم يكن ضرورة للحرب بل كان زيادة في القسوة…

فالخصومة قد تنتهي، لكن آثارها في النفوس لا تنتهي بسهولة.

ولذلك فإن أخلاق الخصومة ليست مسألة وعظية، وليست ترفا اجتماعيا، بل هي ضرورة لبقاء المجتمع…

المجتمع الذي لا يملك أدب الاختلاف لا يملك قدرة على الاستقرار، لأنه يحول كل خلاف إلى فتنة، وكل فتنة إلى انقسام، وكل انقسام إلى كراهية، ثم يتساءل بعد ذلك:

لماذا تفككنا؟ ولماذا صرنا ضعفاء؟
ولماذا صرنا فريسة سهلة لكل من يريد العبث بنا؟

إن الفجور بالخصومة لا يهزم خصمك، بل يهزمك أنت، لأنه يسلبك قيمتك الأخلاقية، ويجعلك نسخة لا تشبه ما كنت تظنه “حقا”.

لا يعني هذا أن نلغي النقد أو ندفن الأخطاء أو نصمت عن الباطل أبدا…
بل يعني أن ننتصر للحق دون أن نسقط في الظلم،
وأن نواجه الخطأ دون أن نرتكب خطأ أكبر منه…
أن ننتقد القرار دون أن نهدم الإنسان،
وأن نختلف مع التيار دون أن نلعن أتباعه،
وأن نعارض الفكرة دون أن نذبح نية صاحبها…

فالقوة ليست في أن تجرح، القوة في أن تملك نفسك وأنت قادر على الجرح.

ثم إن السياسة تتغير، والتحالفات تتبدل، والمواقف قد يعاد تقييمها، والخصوم قد يصبحون شركاء في لحظة تاريخية قادمة…

لكن ما لا يتغير بسهولة هو أثر الكلمة التي خرجت من فمك في لحظة غضب…

لذلك فإن الحكمة ليست أن تنتصر اليوم بأقصى درجات العنف اللفظي، ثم تخسر غدا القدرة على المصالحة. ..
الحكمة أن تترك باب الرجوع مفتوحا، لأن الأيام تعلمنا جميعا أن كثيرا من الخصومات كانت يمكن أن تكون أقل ألما لو أننا حفظنا ألسنتنا.

إن الذي يجرح أخاه أو ابن عمه أو قريبه أو صديقه بسبب خلاف سياسي، لا يدرك أنه قد يكسب لحظة تصفيق، لكنه يخسر شيئا أعمق:
يخسر احترامه لنفسه، ويخسر حرارة الرحم، ويخسر مجتمع الأمان الذي لا يعوض.

وحين تأتي الأيام الصعبة، وحين يشتد الخطر الحقيقي، وحين يحتاج الناس إلى بعضهم، سيكتشفون أن ما هدموه بالكلمات أصعب بكثير مما يظنون أن قد يُبنى بالاعتذار.

لهذا، لا بد أن نعيد الأخلاق إلى مكانها الطبيعي:
أساسا للتعامل، لا زينة للخطابات…
لا بد أن نفهم أن العدل ليس أن تحب خصمك، بل أن لا تظلمه…
وأن الرجولة ليست أن تسحقه، بل أن تنتصر على نفسك…
وأن المروءة ليست أن تجرح حيث تستطيع، بل أن تمسك لسانك حين يغريك الانفعال.

وفي النهاية، ليست المعركة الحقيقية أن تنتصر على خصمك، بل أن لا تخسر نفسك وأنت تقاتله….
لأن الإنسان قد يبدل موقفه، لكنه إذا خسر أخلاقه، خسر كل شيء…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الفيتو: زر إلغاء العالم…

كيف تحوّل “النظام القائم على القواعد” إلى قصة تُروى للضعفاء فقط *في دافوس 2026 وقف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *