هل يهرب العالم من حاضر غزة بمناقشة مستقبلها؟

تتكدس الأخبار وعناوين المؤتمرات الدولية والتصريحات السياسية حول اليوم التالي لغزة، من سيدير القطاع وكيف، من سيمول الإعمار، من هي الدول التي تكون لها عضوية مجلس السلام، ولماذا تتردد بعض الدول في القبول.

يأتي هذا الزخم في التناول النظري لمستقبل غزة، في وقت ترتسم لحاضرها صورة بشعة، فأهل القطاع يتجمدون من البرد القارص الذي يزداد عدد ضحاياه، بينما لم تفلح خيام المساعدات في التصدي لغزو المطر العنيف والبرد العاتي.

أهل غزة ينبشون مكبات القمامة بحثًا عن الورق وقطع البلاستيك معرضين أنفسهم لخطر أمراضها، بحثًا عما يصلح لأن يكون وقودًا للتدفئة، هم قطعا يصرفون تفكيرهم عما يعنيه إشعال البلاستيك وأخطاره، لكنهم يدفعون بذلك خطر الموت بردًا.

وفي ظل ارتفاع الأسعار وعدم وجود ما يكفي من السلع مع دخول المساعدات الإنسانية، لا يزال الجوع يمثل تهديدًا صريحًا لحياة السكان.

إذا أضفنا إلى ذلك، الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة التي تخلف وراءها في كل مرة العديد من الضحايا، فإننا نجد أنفسنا – إزاء حديث العالم عن مستقبل غزة – أمام مفارقة فادحة تكشف خللًا أخلاقيًا عميقًا في مقاربة العالم للقضية.

ما فائدة التنظير والمباحثات والأخذ والرد حول مستقبل غزة، بينما يحمل الحاضر وفيات يومية بسبب أسباب الموت التي لم تدع غزة رغم توقف الحرب، كأن الحديث عن المستقبل بات وسيلة للهروب من مواجهة الحاضر، وكأن التنظير السياسي غطاء رقيق لعجزٍ أو تواطؤٍ أو لا مبالاة تجاه معاناة إنسانية جارية على مرأى ومسمع الجميع.

غزة اليوم ليست سؤالًا نظريًا ولا ملفًا إداريًا مؤجلًا، بل جرح مفتوح ينزف بلا توقف، فأكثر من مليوني إنسان محاصرون في رقعة جغرافية صغيرة، يُحرمون من أبسط مقومات الحياة: الغذاء، الماء، الدواء، الأمان. الشتاء يحلّ عليهم بخيام مهترئة، وأجساد منهكة، وأطفال يرتجفون من البرد والجوع، فيما السماء لا تكف عن إنزال الموت. ومع ذلك، يصرّ جزء كبير من الخطاب الدولي على القفز فوق هذا الواقع، والانشغال بسيناريوهات ما بعد الحرب، وكأنه اكتفى بإعلان وقف الحرب دون الاكتراث لما يحدث على الأرض من انتهاكات مروعة.

إن السؤال عن من يحكم غزة في ظل استمرار القتل قصفًا وبردًا وجوعًا يبدو سؤالًا عبثيًا، بل فاضحًا في توقيته. فقبل أن تُناقش أشكال الحكم، يجب أن يُحمى المحكومون، وقبل الحديث عن الإدارة، يجب إنقاذ الأرواح، وأي حديث عن الإعمار بينما تُدمّر البيوت فوق ساكنيها، هو حديث أجوف، لا يرقى إلى مستوى المأساة. 

الإعمار لا يبدأ بالمخططات الهندسية ولا بتقارير المانحين، بل يبدأ بوقف القصف، وضمان تدفق المساعدات بما يلزم لحماية المواطنين من خطر البرد والجوع، وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان الفلسطيني الذي يُعامل اليوم وكأنه رقم زائد عن الحاجة.

الأخطر في هذا الخطاب المستقبلي أنه غالبًا ما يتجاهل أصل المأساة، بل ويُعيد إنتاجها، فما تعانيه غزة إنما هو بسبب احتلال طويل، وحصار خانق، وعدوان متكرر، ونظام دولي يكيل بمكيالين.

القفز إلى مناقشة ترتيبات الحكم دون مراقبة تنفيذ الإسرائيليين لبنود الاتفاق، ودون محاسبة فعلية على الانتهاكات المستمرة، يعني عمليًا مكافأة المعتدي، وتحميل الضحية مسؤولية الخراب الذي فُرض عليها.

العالم في انشغاله بالمستقبل، يتناسى أن الحاضر هو الامتحان الحقيقي، ما قيمة كل الخطط إذا كان الأطفال يموتون من الجوع؟ ما جدوى النقاشات القانونية والسياسية إذا كانت المستشفيات تُقصف، والطواقم الطبية تُستهدف، والصحفيون يُقتلون، دون رادع؟ إن الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات القلق، لم يعد مجرد فشل أخلاقي، بل أصبح شراكة غير مباشرة في الجريمة.

تحويل غزة إلى ساحة تُجرَّب فيها الحلول، دون معالجة جذور الأزمة وعواملها، هو استمرار لنفس المنطق الذي أوصلها إلى هذا الجحيم. المطلوب ليس إدارة الأزمة فحسب، بل إنهاؤها، ليس تحسين شروط الحياة تحت القصف فحسب، بل وقف القصف، ليس البحث عن وكلاء حكم جدد فحسب، بل ضمان حقوق ثابتة لا تخضع للمساومة.

الانشغال بمستقبل غزة دون إنقاذ حاضرها خيار أخلاقي خطير، خيار يقول للغزيين: موتكم مؤسف، لكنه ثمن جانبي لمعادلات أكبر، وهذا في جوهره نزع للإنسانية وهروب من مواجهة واقع غزة الأليم بالقفز إلى الحديث عن مستقبلها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الفيتو: زر إلغاء العالم…

كيف تحوّل “النظام القائم على القواعد” إلى قصة تُروى للضعفاء فقط *في دافوس 2026 وقف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *