الفيتو: زر إلغاء العالم…

كيف تحوّل “النظام القائم على القواعد” إلى قصة تُروى للضعفاء فقط

*في دافوس 2026 وقف رئيس وزراء كندا مارك كارني وقال بصراحة ما كان يُهمس به منذ عقود: إن حكاية “النظام الدولي القائم على القواعد” كانت “جزئيا غير صحيحة” لأن الأقوى يستثني نفسه حين يشاء، ولأن القانون الدولي يُطبّق بصرامة متفاوتة بحسب هوية المتهم أو الضحية…

هذه ليست شجاعة لغوية بقدر ما هي اعتراف متأخر بأن العالم لا يُدار بالقانون وحده بل بميزان القوة، وأن القواعد كثيرا ما كانت “ديكور شرعية ” فوق غرفة عمليات صلبة.

لكن المشكلة ليست في اعتراف كارني وحده، بل في الشرط الذي يجعل الاعتراف مجرد خطاب:
– أن يُقال الكلام عندما تقترب النار من الأطراف، لا عندما كانت تحرق “الأطراف” منذ زمن….!!
وهنا تبرز مفارقة تاريخية: كثير من شعوب الجنوب كانت تعرف هذه الحقيقة بحكم الجراح، بينما بعض نخب الغرب كانت تتعامل معها كاستثناءات مؤسفة، أو كأخطاء عابرة في منظومة عادلة.

الفيتو: أصل الخلل الذي يصنع الخلل…

إذا أردنا تسمية “المسمار” الذي يثبّت هذا الاختلال في جسد الأمم المتحدة، فالفيتو هو أكثر المسامير وضوحا…
هو ليس مجرد أداة إجرائية، بل امتياز سياسي يجعل قرار العالم رهينة إرادة دولة واحدة…. فمجلس الأمن قد يحصل فيه إجماع أخلاقي واسع، ثم يأتي “لا” واحدة فتُسقطه كما لو أن دماء الضحايا مسألة قابلة للتأجيل.

ولهذا ظل الفيتو، بحسب كثير من نقاشات الإصلاح، نقطة الشلل المزمنة:
يمنح الخمسة الدائمين القدرة على تعطيل قرارات غير إجرائية..
ويخلق “هندسة حصانة” داخل النظام الدولي ذاته.

ومن هنا يصبح “القانون الدولي” في وعي الشعوب ليس معيارا ثابتا، بل مِكيالا يتغير:
-إن كنتَ قويا فالقانون يصبح مرنا، تفسره المصالح وتُعدّله الحاجة..
-وإن كنت ضعيفا فالقانون يصير سيفا، لا مرونة فيه ولا رحمة…
طيب
لماذا الآن يتكلمون عن العدالة؟

السؤال الذي طرحه خصوم خطاب كارني بلهجة ساخرة، وإن جاء في إطار تهكمي، يحمل لبّ الحقيقة: ما الجديد؟
الجديد ليس أن العالم ظالم، بل أن بعض الدول الغربية بدأت تلمس على جلدها بعض ما كانت تراه بعيدا…
وهذا ما يجبر خطابها على التغير من لغة “العالم الحر” إلى لغة “المصلحة المحمية”، ومن لغة “التعاون” إلى لغة “الخوف من أن نكون على قائمة الطعام”. وقد كرر كارني هذه الفكرة حرفيا: إن لم نكن على الطاولة سنكون على قائمة الطعام.

لكن الاعتراف وحده لا يُصلح شيئا. لأن المشكلة بنيوية: النظام الحالي صُمّم كي لا يُصلح نفسه إلا بإذن من المستفيدين منه.

الإصلاح الحقيقي: كسر احتكار الـ “لا” الواحدة

المطالبة بصيغة جوهرها بسيط وعميق: أن لا يصبح الفيتو “حقا فرديا” بل “قرارا جماعيا” داخل الخمسة الدائمين.
وهذا هو الاتجاه الذي تطرحه دول وأفكار إصلاحية بالفعل بصيغ مختلفة، منها مقترحات بأن لا يُمارس الفيتو إلا إذا اشترك فيه أكثر من عضو دائم.

وهنا يمكن طرح مقترح عملي بثلاث درجات، كل درجة أكثر قابلية للتطبيق من “إلغاء الفيتو” الكامل:

1- فيتو بالأغلبية داخل الخمسة الدائمين

لا يُعتمد الفيتو إلا إذا صوّت به 3 من 5 (أو حد أدنى 2 من 5 كحل انتقالي)
هذه الصيغة لا تُلغي امتياز الكبار تماما، لكنها تمنع “الخطف الفردي” للقرار الدولي.

2- قيد أخلاقي إلزامي: لا فيتو في الجرائم الكبرى

منع استخدام الفيتو في حالات الإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
هذه الفكرة تُطرح عالميا كحد أدنى لإنقاذ “الشرعية” من السقوط الكامل.

3- تفعيل مسار بديل عند الشلل

إذا شُلّ مجلس الأمن بسبب الفيتو، يُفعّل مسار الجمعية العامة بصورة أكثر إلزاما سياسيا وأقوى أثرا، بدل أن يبقى مجرد بيانات أخلاقية.

لماذا هذا الإصلاح مهم للمنطقة العربية تحديدا؟
لأن منطقتنا دفعت ثمن الـ “لا” الواحدة أكثر من غيرها:
ملفات تُجمد
جرائم تُؤجل
احتلال يُحمى
ومعايير تُصاغ على مقاس الأقوى…

وكل مرة يُقال لنا: “المنظومة الدولية تعمل” !

والحقيقة أنها تعمل… ولكن ليس لصالح العدالة، بل لصالح “هندسة القوة”.

وهنا يصبح الحديث عن “تعديل الفيتو” ليس ترفا قانونيا، بل مسألة أمن قومي للضعفاء، وكرامة سياسية للشعوب، وحماية لفكرة الدولة نفسها…
لأن دولة لا تستطيع حماية قرارها ولا غذاءها ولا طاقتها ولا أمنها تصبح قابلة للابتزاز، وهذه نقطة قالها كارني أيضا بوضوح: الدولة التي لا تغذّي نفسها ولا توفر طاقتها ولا تدافع عن نفسها خياراتها قليلة.

ما علينا أن نُدركه وباختصار:
الفيتو بصيغته الحالية ليس “حقا” بل “تغوّلٌ مُقنّن”.
هو الفقرة التي تجعل الأمم المتحدة تبدو أحيانا كقصر عدل تُدار أبوابه بمفتاح واحد يحتفظ به الأقوى.

إذا أراد العالم حقا نظاما أقل نفاقا، فالبداية ليست في الخطب، بل في إصلاح الفيتو:
أن لا تُختصر إرادة 193 دولة في اعتراض دولة واحدة، وأن لا يُصبح الدم “ملفا” قابلا للإرجاء، وأن لا تُترك الشرعية رهينة مزاج سياسي أو تحالف آني.
وككاتبة مُسلمة أختم بما أنا مملوءة به :
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لا خير في امرئ إذا خاصم فجر

من أخطر ما أصاب وَعينا الجمعي في هذا الزمن، أن السياسة لم تعد مساحة اختلاف، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *