الصدق قيمة عظيمة لا يختلف عليها اثنان لكنه ليس دائما كافيا لصناعة علاقة آمنة ومستقرة…
كثيرون يظنون أنهم يؤدون واجبهم الأخلاقي ما داموا لا يكذبون بينما الحقيقة أن الصدق قد يأتي ناقصا ومبتورا فيترك خلفه فراغا خطيرا يملؤه الطرف الآخر بالظنون والقلق وسوء التأويل…
هنا تظهر المباشرة بوصفها مستوى أعلى من الصدق لا لأنها أشد قسوة بل لأنها أشد احتراما.
أما المباشرة أن تقول أنا بخير لكنني مرهق وفي داخلي شيء أثقلني هذا الأسبوع وأنا أحاول أن أفهمه بدل أن أضعه فوق كتفيك.
الصدق أن تقول لا أشعر بالرغبة اليوم…
أما المباشرة أن تقول لا أشعر بالرغبة اليوم لأنني متعب ومضغوط وأخشى أن أبدو ضعيفا فأختبئ خلف الصمت.
في الجملة الأولى أنت لم تكذب لكنك تركت الباب مفتوحا لكل تفسير.
في الجملة الثانية أنت لم تبرر نفسك فقط بل أغلقت باب التخمين وفتحت باب الأمان.
المباشرة ليست ثرثرة وليست اعترافات زائدة وليست استعراضا للشفافية.
المباشرة هي أن تمنح الآخر صورة كاملة بالقدر الذي يحمي العلاقة من التشوه.
هي أن تقول الحقيقة قبل أن تتحول إلى لغز وقبل أن تتحول المشاعر إلى محكمة.
لأن الإنسان حين لا يفهمك يبدأ بتفسيرك وحين يفسرك قد يضعك في خانة لا تشبهك.
وهنا تصبح النية الطيبة بلا قيمة لأن الأثر أقوى من القصد.
في الواقع الذي نعيشه اليوم لم يعد الغموض تفصيلا بسيطا… نحن في زمن يتغذى على الاحتمالات. ..
الناس تقرأ النبرة وتلاحق آخر ظهور وتعيد تحليل كلمة واحدة عشر مرات ثم تنهار من سؤال واحد لم يجد جوابا واضحا !
كم علاقة انكسرت لا بسبب خيانة بل بسبب نصف جملة ؟!
وكم صداقة بردت لا بسبب إساءة بل بسبب صمت طويل لم يشرح نفسه؟
المباشرة تحميك أنت أيضا…
لأنها تمنع تراكم السوء داخل صدرك ثم انفجاره دفعة واحدة.
تمنعك من أن تتحول إلى شخص يختزن ويبتسم ثم يختنق.
تمنعك من أن تعاقب الآخر على شيء لم يعرفه أصلا.
إنك حين لا تقول ما تشعر به بوضوح فأنت لا تختصر الألم بل تؤجله وتضاعفه.
في السياسة أيضا لا تبدأ الكوارث دائما بالكذب الصريح بل تبدأ غالبا بأنصاف الحقائق.
حين يقال للناس كلام صحيح لكنه ناقص
وحين تترك التفاصيل في الظل
وحين يصبح الغموض أداة إدارة لا أداة حكمة.
الشعوب لا تخاف من الحقيقة بقدر ما تخاف من الفراغ لأن الفراغ يولد الشائعات ويصنع الهلع ويهز الثقة. وكذلك العلاقات تماما.
الطرف الذي لا يفهم أين يقف يبدأ بالتراجع خطوة بعد خطوة حتى يختفي وهو لا يريد الاختفاء.
ولهذا كانت المباشرة شجاعة راقية.
هي أن تقول أنا لست ضدك أنا فقط متعب.
أنا لا أبتعد عنك أنا أرتب نفسي.
أنا لا أتجاهلك أنا أحاول ألا أنهار.
هذه الجمل البسيطة تصنع أمانا لا تصنعه ألف هدية لأنها تمنح الطرف الآخر أعظم ما يحتاجه في زمن القلق وهو الوضوح.
قال جورج برنارد شو : إن أكبر مشكلة في التواصل هي وهم أنه حدث.
وهذه العبارة تلخص كثيرا من خرابنا اليوم.
نظن أننا تكلمنا لأننا قلنا شيئا لكننا لم نقل المعنى كله.
نظن أننا أوصلنا الرسالة لأننا لم نكذب لكننا تركنا نصف الحقيقة في الطريق.
والمشكلة أن العلاقات لا تنهار دائما من الكذب أحيانا تنهار من الغموض.
الصدق بداية جميلة لكنه ليس نهاية الطريق.
الصدق يمنع الخيانة والمباشرة تمنع الاستنزاف.
الصدق يحفظ الأخلاق والمباشرة تحفظ القلوب.
لذلك كن صادقا نعم ولكن لا تتوقف هناك.
اذهب خطوة أعلى وكن مباشرا.
ليس لتغلق الناس ولا لتجرحهم بل لتحترمهم.
لأن احترام الإنسان ليس أن تقول له كلاما صحيحا فقط بل أن تجعله لا يضطر أن يسأل نفسه كل ليلة ماذا يقصد ولماذا تغير وهل أنا عبء وهل انتهى كل شيء!!
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة