الرئيسية / تقارير / هل سطّرت الأزمة التونسية شهادة وفاة الربيع العربي؟

هل سطّرت الأزمة التونسية شهادة وفاة الربيع العربي؟

– أنهت إجراءات قيس سعيد عقدا من “الديموقراطية” في تونس والتي مرت بأزمات عدة اقتصادية وأمنية وسياسية..
– تعطي التطورات الأخيرة في تونس حيزا أكبر من الفهم لتحديات التحول الديموقراطي في عدد من دول المنطقة التي شهدت ثورات شعبية على أنظمتها الموصوفة بالاستبداد..
– لم تعد الشعوب العربية ترفع سقف طموحاتها إلى التغيير الجذري للأنظمة الاستبدادية بعد ثورات الربيع العربي 

لا تزال الأزمة السياسية في تونس محل خلاف بين من يصف الإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد بأنها “انقلاب” على الدستور والمبادئ الديموقراطية بتشجيع من دول “الثورة المضادة”، وبين آخرين يصفونها بأنها محاولة لإعادة الثورة الشعبية إلى مسارها الصحيح. 

الخطوات التي اتخذها الرئيس التونسي بتمديد الإجراءات الاستثنائية بعد انتهاء سقفها الزمني الدستوري (30 يوما اعتبارا من 25 يوليو/ تموز) إلى أمد زمني غير محدد، تشير إلى واقع جديد في المشهد السياسي التونسي بما يمكن وصفه بـ “الاستبداد المُقنَّع”. 

** “استيلاء” على السلطة

وصف الرئيس التونسي قراراته مساء 25 يوليو الماضي، بأنها قرارات “استثنائية” اتخذها بحضور قيادات الأمن والجيش وفرض إجراءات أمنية، منها نزول وحدات من الجيش للانتشار أمام مؤسسات الدولة وفي محيطها. 

وعلّق الرئيس التونسي العمل بمجلس النواب لمدة 30 يوما، وتولى بنفسه رئاستي النيابة العامة والسلطة التنفيذية بعد إقالة رئيس الحكومة. 

وأنهت إجراءات قيس سعيد عقدا من “الديموقراطية” في تونس والتي مرت بأزمات عدة اقتصادية وأمنية وسياسية. 

ويميل مراقبون إلى القول بأن سعيد يخطو خطوات واضحة للاستيلاء على كامل السلطة في استنساخ للتجربة المصرية. 

** بين مؤيد ومعارض

وحاولت القوى السياسية والنقابية الفاعلة في تونس، حركات الإسلام السياسي واتحاد الشغل والنقابات المهنية، الحفاظ على المسار الديموقراطي طيلة عشر سنوات على الرغم من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي عصفت بالبلاد. 

وينظر إلى قرارات سعيد على أنها “انقلاب”، في حين يرى مؤيدوه أنها خطوات لتصحيح المسار السياسي والقضاء على الفساد وانتشال البلاد من الأزمة الاقتصادية وتفشي جائحة كورونا التي بدت الحكومة عاجزة عن تفادي تداعياتها على أرواح السكان. 

بدايات عام 2021 شهدت تونس احتجاجات شبه يومية من شباب يبحثون عن فرص عمل في ظل بطالة وتراجع في الأداء الاقتصادي جراء جائحة كورونا. 

وتعتمد تونس في جزء مهم من اقتصادها على المساعدات والاستثمارات الأمريكية والغربية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، والعربية مثل الإمارات وقطر. 

لكن إدارة الولايات المتحدة في عهد الرئيس جو بايدن الذي أعلن عزمه عقد قمة عالمية للدول الديموقراطية، اكتفت بموقف يبدو محايدا أو ضعيفا إلى حد بعيد. 

وأرسل وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن رسالة إلى الرئيس التونسي حثه فيها على ضرورة “الالتزام بمبادئ الديموقراطية”. 

** ثورات شعبية

تعطي التطورات الأخيرة في تونس حيزا أكبر من الفهم لتحديات التحول الديموقراطي في عدد من دول المنطقة التي شهدت ثورات شعبية على أنظمتها الموصوفة بالاستبداد. 

من بين دول موجة الربيع الأولى، نجت تونس ومصر من الحروب الأهلية والصراعات الدموية بين الأنظمة في سوريا وليبيا واليمن وقوى وأطراف محلية مسلحة سعت لإسقاط تلك الأنظمة. 

لم تعمّر التجربة المصرية طويلا بعد مرحلة انتقالية قادتها القوات المسلحة أفضت إلى أول انتخابات تشريعية فازت بها جماعة الإخوان المسلمين عام 2012. 

لكن القوات المسلحة تدخلت بعد أقل من عام على انتخاب الرئيس محمد مرسي، واستولت على السلطة مرة أخرى عبر “انتخابات” جاءت بوزير الدفاع عبد الفتاح السياسي رئيسا للجمهورية. 

وتجنبت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وصف ما جرى في مصر بأنه “انقلاب”. 

بدأت ثورات الربيع العربي نهاية عام 2010 على مرحلتين شملت ست دول، تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا، بينما شملت أربع دول في الموجة الثانية من الثورات، العراق والسودان ولبنان والجزائر. 

على صعيد المتغيرات الجيوستراتيجية، تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية والثوابت العربية تجاهها عبر سلسلة من عمليات التطبيع مع دول الإمارات والسودان والبحرين والمغرب، نتيجة لتراجع الدور العربي الفاعل لصالح الدور الإسرائيلي في المنطقة، وكذلك تمدد النفوذ الإقليمي في دول المنطقة، الإيراني تحديدا. 

** تجربة ديمقراطية

لم تعد الشعوب العربية ترفع سقف طموحاتها إلى التغيير الجذري للأنظمة الاستبدادية أو البنية السياسية للأنظمة القائمة بعد عقد من ثورات الربيع العربي وتنامي قوى الثورات المضادة التي أجهضت تجربتها “الوحيدة” الناجحة بعد سلسلة قرارات اتخذها الرئيس التونسي بدءا من 25 يوليو/ تموز الماضي. 

وينظر إلى تجربتي تونس ومصر بدايات ثورات الربيع العربي، على أنهما تجربتان نجحتا في خط مسارهما الديموقراطي بعيدا عن الاضطرابات التي رافقت ثورات أخرى في ليبيا إلى الجوار منهما وفي سوريا واليمن. 

لكن الثورة في مصر استهدفت من قوى “الثورة المضادة” ودعم من المؤسسة العسكرية المصرية لإعادة الحكم العسكري الذي دام لنحو ستة عقود أعقبت تغيير نظام الحكم الملكي عام 1952 إلى نظام جمهوري. 

وعلى النقيض من ذلك، بدت تجربة تونس تجربة ديموقراطية وليدة كتبت دستورا جديدا ونظمت ثلاث انتخابات تشريعية قبل إجراءات الرئيس التونسي الأخيرة. 

وفي حالات ثلاث، سوريا وليبيا واليمن، خضعت لحروب أهلية مستمرة وتدخلات دولية وإقليمية مع بوادر تحسن في الحالة الليبية الراهنة. 

وفي سياق الصراع بين التيارين العلماني والإسلامي، فإن الأول الذي يؤمن بالمبادئ الديموقراطية ويروج لها أبدى تأييده لإجراءات الرئيس التونسي من منطلق العداء لحركات الإسلام السياسي الممثلة بحركة النهضة، والتي فازت في الدورات الانتخابية الثلاث بأغلبية مقاعد مجلس النواب. 

ومع ذلك، تراجعت حركة النهضة في الدورات الانتخابية الثلاث، حيث حصلت في الانتخابات الأولى على 89 مقعدا، وفي انتخابات 2014 على 77 مقعدا، و52 مقعدا في الانتخابات الأخيرة عام 2019. 

** “انقلاب” حقيقي

ونتيجة لغياب الثقة في أوساط النخب السياسية، فإن الصراع بين التيارين العلماني والإسلامي يصطبغ بطابع سياسي يقوم على رؤية كلا التيارين واعتقادهما بوجود مخاوف مشروعة.

التيار العلماني، يعيش هاجس موقع “الشريعة الإسلامية” في النظام الجديد، مقابل هواجس التيار الإسلامي ومخاوفه من سيطرة التيار العلماني وحشد جهوده بدعم خارجي يهدف إلى “تغريب” المجتمعات العربية، ومسخ هويتها العربية والإسلامية. 

أظهرت تجربة عقد كامل في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي حقيقة وجود تحالف “علماني” يضم قوى متعددة، قومية ويسارية تبذل جهودا كبيرة في مواجهة ثورات الربيع العربي عبر التصدي لحركات الإسلام السياسي التي تصدرت مشهد تلك الثورات قصد إجهاضها. 

وتبدي جهات محلية وإقليمية مخاوف من أن تكون إجراءات الرئيس التونسي “انقلابا” حقيقيا على ثورات الربيع العربي لإجهاض أول الثورات الناجحة وآخرها.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل فشل الرهان الإقليمي والدولي على حفتر؟

– القوى الإقليمية والدولية الداعمة للانقلابي حفتر تستفيد من حالة عدم الاستقرار واستمرار تفكك مؤسسات …

تعليق واحد

  1. نعم وهذا للاسف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *