مات عمي عبدالرحمن ،،،، وقد تجاوز الثمانين ..

مات عمي عبدالرحمن ،،،، وقد تجاوز الثمانين ..
لكن رحيله لم يكن نهاية عُمْر آدميّ عادي هو ميّت ميّت في كُل الأحوال فحسب، بل تصدّعًا صامتًا في معنى الحياة نفسها…

قبل رحيله بأسبوعين فقط، جاء إلى أرضي وزرعها بيديه: فُولًا وبازيلا وفاصولياء وخضراوات كثيرة…
لم يكن يفعل ذلك كواجب أو عادة، بل كمن يترك أثره الأخير في التراب…
ومنذ أسبوع. بدأت تلك البذور تنمو، خضراء قوية، وقد نأكل منها إن شاء لنا الله ولكنه لن يكون معنا ولا حول ولا قوّة إلا بالله ..

كان يفرح حين يُهدينا “الباميا” التي زرعها بيديه، ان يقطفها بعد صلاة الفجر في موسمها .. ويأتي إلينا مُبتهجا، ينظر في عُيوننا ليتفقّد مقدار الامتنان والمحبّة له..
ومن ذا الذي لا يُحبّ العم عبدالرحمن …

أي مفارقة أشد قسوة من أن يمنحك الميت طعامك القادم ثم يرحل.

كان عبدالرحمن رجلًا من زمن آخر، زمن لم تكن فيه الطيبة تُهمة ولم تكن فيه البساطة ضعفا….
ضحكته لم تكن عالية، لكنها كانت صافية، ضحكة رجل لم تُفسده الخيبات، ولم تكسره التحولات القاسية…
حين كان يتحدث عن “الزمن الجميل”، لم يكن يستعيد حنينا رومانسيا فارغا، بل كان يشهد على عصر كانت فيه العلاقات أثقل وزنا، والنظرات أصدق من الكلمات، والجلوس مع الأحبة فعلا مقدسا لا يُؤجَّل.

أفكر الآن بابنته فاطمة التي فيها شيء يصعب شرحه، لكن أمثالي يشعرون به فورا….
هدوؤها الرزين ليس ضعف شخصية، واختلافها ليس ادّعاء…. تحمل في ملامحها ووقفتها وصدقها امتداد أبيها وأصالة معدنها … تعرف متى تتكلم ومتى تصمت، وتفهم دون أن تكثر السؤال، كأنها وُلدت وفيها حكمة غير مُعلنة….
أما زكية الحنونة، بصوتها العالي أحيانا وحضورها الصريح دائما، فهي الوجه الآخر للطيبة نفسها. يخطئ من يظن أن الصوت نقيض اللين؛ فابنة العم “زكية” تحمل قلبا واسعا، وتُخفي خلف حدّتها القروية الظاهرة صفاء نادرا.

عظّم الله أجركم جميعكم يا أبناء عمي عبدالرحمن “عمر وعماد ومحمد ..” وزكية وفاطمة وبقية البنات الطيبات …

أوجع ما في رحيل عمي عبدالرحمن أنني كنت أراه، ولا أنظر في عينيه جيدا لانشغالي واستعجالي..
كان يمشي في حديقة بيتي حين أكرمني بالتواجد عدّة أسابيع لحمايتي حين سكنت حديثا،
كان يمشي ويتجوّل في كل ناحية فيها .. وكنت أنا أراقبه عبر كاميرات المنزل، كنت منشغلة بعالمي، بقراءاتي، بكتاباتي، بأفكاري، بأشياء ظننتها أكثر أهمية من النظر في عيون الأحبّة …
رأيته صورةً، ولم أحتفظ به نظرة…. وهنالك فرق..
ولو كنت أعلم أن الرحيل قريب إلى هذا الحد، لما فوّتُّ على نفسي نعمة النظر في عينيه.
نظرات العيون المُحبّة التي تُشِعّ نقاء ليست تفصيلا في حياة أحدنا، هي آخر ما يجب أن نؤجله، وأول ما نندم عليه.

نحن نضيع أعمارنا أمام الشاشات، نؤجل اللقاءات، نختصر الحضور، ونؤمن كذبًا أن الوقت لا يزال طويلًا.

لكن ملك الموت لا يُرسل لنا إشعارا، ولا يطرق الباب بصخب …
هو واقف هنا حولنا أصلا، ينتظر فقط أن ننتهي مما نعتقد أنه أهم…

عمي عبدالرحمن لم يترك مالا ولا وصايا مكتوبة، ترك لنا زرعا ينمو، وذكرى رجل مرّ بهدوء، لكنه ترك فراغا عميقا…

رحمك الله يا عمي عبدالرحمن ..
علمتنا، ولو متأخرين، أن الحياة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بعدد الوجوه التي نظرنا إليها بصدق، وبعدد اللحظات التي لم نؤجلها، وبالزرع الذي نتركه خلفنا لينمو بعدنا….

عليك رحمة الله يا عمي .. وأحسن الله إليك في الآخرة كما أحسنت إلينا في الدُنيا ..

إنا لله وإنّا إليه راجعون …

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين تكون الحدود بداية العلاقة لا نهايتها

كثيرون يسيئون فهم الحدود، فيظنونها قسوة، أو انسحابا، أو نقصا في المحبة… والحقيقة أعمق من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *