ترامب لا يتحدث هنا بلسان وسيط حريص على الشعب الإيراني، ولا بلسان فيلسوف أخلاقي صُدم بمقتل المتظاهرين….
بل يتحدث بلسان رجل يعرف أن النظام الذي طالما قدّم نفسه كقوة إقليمية صلبة، بات يترنح من الداخل اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا.
وحين يترنح الداخل، تُفتح شهية الخارج.
لكن الأخطر من تصريحات ترامب، ليست تهديداته، بل الاستجابة العاطفية السريعة في فضائنا العربي:
– بين من يرى في كل كلمة أمريكية “فخًا”،
-ومن يرى فيها “فرصة تاريخية”، وكأن الشعوب لم تتعلم بعد أن أمريكا لا تُسقط أنظمة لتُحرّر شعوبا، بل لتعيد ترتيب الخرائط بما يخدم مصالحها.
نعم، النظام الإيراني نظام دموي توسّعي، بنى نفوذه على خراب بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، وسفك دماء العرب باسم “المقاومة وتحرير فلسطين”…
ونعم، من حق أي شعب – والشعب الإيراني أولا – أن يثور على الفقر والقمع والنهب باسم العقيدة وولاية الفقيه وانتظار صاحب الزمان عند فوّهة السرداب…
لكن الحقيقة المُرّة أن تحرير الشعوب لا يتم ببيانات البيت الأبيض، ولا بإشارات الطائرات الرئاسية !
كل التجارب القريبة تقول إن التدخل الخارجي حين يدخل على خط الثورات، لا ينقذها بل يُفرغها من مضمونها، ويحوّلها إلى ساحة تصفية حسابات دولية…
سوريا وليبيا واليمن ليست بعيدة…
الفارق فقط أن إيران دولة أكبر، وتعقيداتها أعمق، ولاعبوها أكثر.
لذلك، حين يقول بعض المعلقين إن “الضربة في الطريق”، فهم يقرأون التاريخ الأمريكي جيدا.
وحين يُحذّر آخرون من نشوة السقوط، فهم يدركون أن الفوضى لا تفرّق بين جلاد وضحية حين تنفلت….
أما من يراهن على “تحرير الشعب الإيراني” بأزرار أمريكية، فهو يخلط بين كره النظام والثقة بالمُنقذ الخطأ.
النظام الإيراني الخبيث سيحاول اللعب بورقة “التدخل الخارجي” حتى آخر لحظة، لأنها آخر ما تبقى له من شرعية…
وترامب الأخبث منهم سيستخدم لغة “حماية المتظاهرين” لأنها أكثر خطاب قابل للتسويق، دون أن يعنيه فعلًا مصيرهم بعد أول تفاوض أو صفقة.
يجب ألا ننسى:
لا النظام الإيراني بريء، ولا واشنطن وصيّة أخلاقية، ولا الشعوب تُنقذ حين تُستَخدم كورقة ضغط….
والحكمة – خصوصا للعرب الذين دفعوا أثمانا باهظة – ألا نغرق في نشوة سقوط خصم، ولا في وَهْم تدخل مُنقذ…
لأن الذي لا يحمي ثورته بعقله، سيُستَخدم بدمه….
في السياسة، ليست كل مكالمة تفاوض باب خلاص ….
وليست كل تهديد حرب بداية عدالة ….
وأخطر ما في المشهد… أن يُصفّق المتفرجون قبل أن يُغلق المسرح عليهم.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة