حين تقول إيران إنها تستهدف “قواعد أمريكية” في الخليج لا الدول ذاتها، فهي تبني رواية دفاعية تريد بها تحييد الرأي العام العربي….
لكن الرواية تسقط أمام سؤال بسيط: هل المطارات المدنية، والفنادق، والبنى التحتية الحيوية قواعد عسكرية؟!
إذا كانت بعض القواعد في الخليج “فارغة”، ولم تنطلق منها طائرات أو صواريخ تجاه إيران، فبأي منطق تصبح هدفا مشروعا؟!
وإذا كان معيار الاستهداف هو الوجود الأمريكي، فلماذا لا تُقصف قواعد نشطة فعلا في جنوب القوقاز أو آسيا الوسطى؟
ولماذا لا تُستهدف مواقع أقرب جغرافيا وأكثر فاعلية عسكريا؟
المعادلة هنا ليست عسكرية بحتة، بل سياسية.
**هناك فرق بين ضرب مركز عمليات نشط، وبين إرسال رسالة إلى بيئة إقليمية لم تعلن الحرب….
استهداف عواصم دول الخليج – حتى تحت عنوان “القواعد العسكرية الأمريكية” – يضع هذه الدول في قلب المواجهة، سواء أرادت أم لم تُرد….
وهذا ليس تفصيلا.
البعض يبرر بأن القواعد تحتوي على أجهزة رادار ومعلومات استخبارية، وأن الدعم اللوجستي يُعد مشاركة….
هذا صحيح جزئيا في ميزان الحروب الحديثة، حيث تتحول المعلومة إلى سلاح…
لكن السؤال يبقى: هل الرد يكون بتوسيع رقعة النار، أم بحصرها؟
توسيع الاستهداف ليشمل منشآت مدنية وبنى تحتية، أو خلق ذريعة لتدويل المنطقة، قد يحقق مكسبا تكتيكيا، لكنه يحمل مخاطرة استراتيجية كبرى….
لأن ضرب الممرات النفطية أو تهديد العواصم الخليجية لا يعني الضغط على واشنطن فقط، بل يعني إدخال الاقتصاد العالمي كله في المعادلة….
هنا تتبدل الصورة.
الخليج ليس مجرد جغرافيا، بل شريان طاقة عالمي….
أي اضطراب فيه يفتح الباب أمام تدخلات دولية أوسع تحت عنوان:
“حماية الملاحة” و”ضمان استقرار الأسواق”….
وعندها، لا تعود المواجهة ثنائية، بل تتحول إلى ملف دولي مفتوح.
من يظن أن استهداف الخليج سيجبره على الانحياز، قد يحقق العكس:
خلق مظلة دولية أوسع لحماية المنطقة ..
وربما إعادة تشكيل قواعد الاشتباك بالكامل.
ثم إن الحياد الخليجي – كما أعلنته بعض العواصم – ليس ضعفا، بل محاولة لتفادي الانزلاق….
لكن الضغط الصاروخي قد يحوّل الحياد إلى اصطفاف دفاعي، لأن أي دولة تتعرض لتهديد مباشر ستتحرك لحماية سيادتها.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود قواعد هنا أو هناك، بل في منطق توسيع المعركة….
فحين تتحول الضربة إلى رسالة سياسية موجهة للجيران بدل الخصم المباشر، يصبح الهدف إرباك البيئة الإقليمية لا حسم المواجهة العسكرية.
والسؤال الذي سيحكم المرحلة القادمة ليس:
من يملك صواريخ أكثر؟ بل:
من يستطيع منع رقعة الشطرنج من الاتساع؟
لأن اتساعها لن يكون في صالح أحد.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة