بين النقد والتهويل: كيف نناقش الحج بإنصاف؟

ليس من الحكمة أن يتحول النقاش حول الحج إلى خيارين فقط:

– إما أن نقول إن كل شيء كامل لا نقص فيه…

– أو نزعم أن كل ما يجري مجرد استعراض سياسي وفشل شامل…

فالمساحات الكبرى لا تُقرأ بهذه الطريقة…..

أولا: من حق أي مسلم أن ينتقد أداء الحج، لأن الحج ليس مشروعا سياحيا ولا مهرجانا موسميا، بل شعيرة يؤديها ملايين البشر في مساحة وزمن محدودين للغاية.

وأي تجمع بهذا الحجم سيبقى عُرضة للنقد والمراجعة والأخطاء البشرية….

ومن الطبيعي أن تُطرح أسئلة حول الإسكان، والتنقل، والزحام، والأسعار، والخدمات، وحتى الأولويات الإدارية….

لكن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد أخطاء؟ بل: هل الأخطاء ناتجة عن إهمال مقصود، أم عن تعقيد المهمة نفسها؟

هناك فرق بين أن تقول: “وقع خلل هنا”، وبين أن تقول: “المشكلة الأساسية أن الدولة لا يهمها الحجاج”…..

لأن هذا ليس نقدا، بل حكم على النيات…..ونسف لكُل خير هو قائم وموجود وملموس.. ولا يستطيع أن ينكره أهل الإنصاف..

ومن أسهل الأشياء في العالم أن تفسر كل إجراء أمني بأنه خوف على السلطة، وكل تنظيم بأنه دعاية، وكل نجاح بأنه تزوير…. !!

إذا كان اجتماع خمسة ملايين إنسان من عشرات الجنسيات واللغات والأعمار والحالات الصحية في أيام معدودة مهمة بسيطة،

فلتُخبرنا البشرية أين يوجد نظير لها ؟!

لا توجد مدينة في العالم تستقبل فجأة هذا العدد ثم تعيده إلى بلاده خلال أيام دون تحديات….

أما حادثة تدافُع منى أو غيرها من الكوارث ( لا أعادها الله) ، فهي مؤلمة ولا يجوز إنكارها، لكن تحويل المأساة إلى دليل فلسفي على فشل الإدارة كلها يشبه القول إن وقوع حادث طائرة يعني انتهاء فكرة الطيران نفسها…

المأساة تحتاج مراجعة ومحاسبة وتطويرا؛ لا تحويلها إلى بيان سياسي شامل…

أما حديث “تدويل الحرمين” فهو في الحقيقة سؤال يحتاج جرأة:

– من الذي سيدير؟

هل ستدار الحرمين بلجنة من عشرات الدول المتصارعة؟

من يحدد الحصص؟

ومن يحسم الخلافات؟

ومن يتحمل المسؤولية الأمنية والصحية واللوجستية؟

وهل العالم الإسلامي اليوم يعيش حالة إجماع سياسي حتى نضع أقدس بقاع الأرض تحت إدارة مشتركة؟

التاريخ نفسه لا يطمئن لهذه الفكرة؛ لأن كل ما أُدير جماعيا بين الدول المتنازعة تحول غالبا إلى ساحة صراع نفوذ لا إلى نموذج مثالي..

ثم إن الغريب أن كثيرا ممن يطالبون بتدويل الحرمين لا يطرحون نموذجا إداريا واضحا، بل يطرحون غضبا سياسيا يرتدي لباسا شرعيا…

وكأن المشكلة ليست: كيف نخدم الحاج؟ بل: من ينتصر في معركة النفوذ؟

والأغرب من ذلك كله أن بعض الخطابات تجعل الحج ساحة صراع سياسي دائم، ثم تقول إنها تريد إعادة “اجتماع المسلمين” !

مع أن الحج لم يُشرع ليكون مؤتمرا حزبيا عالميا، ولا منصة صراع بين المشاريع السياسية، بل شعيرة يذوب فيها الغني والفقير والحاكم والمحكوم تحت لباس واحد وشعار واحد: “لبيك اللهم لبيك”….

ومن حق المسلم أن ينتقد، بل أحيانا يجب أن ينتقد، لكن ليس من حقه أن يكذب وليس من حقه أن يتداول الكذب وليس من حقه أن يبدأ بالحكم ثم يبحث عن الأدلة بعد ذلك…. فالعدل لا يبدأ من سؤال: من الحاكم ؟

بل يبدأ من سؤال: ما الحقيقة؟

لأن أخطر أنواع التحيز أن يصبح الإنسان يرى الخطأ دليلا إذا صدر من خصمه، ويرى الإنجاز تهمة إذا صدر من الشخص نفسه….

وهنا تضيع الحقيقة بين التصفيق الأعمى… والهدم الأعمى.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين تصبح الاستقامة معركة يومية

الحقيقة التي لم تتغير منذ خلق الله الإنسان أن كل ما هو نفيس كان ثقيلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *