هل قيمة الأردن في مساحته؟ أم في موارده؟ أم في عدد سكانه؟!
لا …. بل قيمته في شيء أندر من ذلك كله:
أنه الدولة التي تقف في المكان الذي لا يحتمل الفراغ….
هناك دول إذا ضعفت، تألم شعبها…. وهناك دول إذا اختلّت، اختلّ الإقليم من حولها.
والأردن من النوع الثاني…
هي الحقيقة .. بمعزل عن تقبُّلك أو رفضك…
* الأردن ليس بلدا موضوعا على هامش الخريطة، بل عقدة هادئة بين أعصاب ملتهبة: فلسطين، سوريا، العراق، السعودية، إسرائيل، والخليج….
ولهذا فإن السؤال الحقيقي يا بعض المارقين ليس: ماذا يملك الأردن؟
بل: ماذا سيحدث لو غابَ الأردن؟!
* الغرب، رغم بروده السياسي، فَهِم هذه الحقيقة مبكرا…. لذلك تكررت في مراكز التحليل والصحف الغربية أوصاف من نوع: “واحة استقرار”، “جزيرة استقرار”، “حليف موثوق”، “دولة عازلة”، “ركيزة إقليمية”….. وهذه ليست مجاملات دبلوماسية؛ إنها اعتراف بأن الأردن يؤدي وظيفة أكبر من حجمه….
الأردن لا يحرس حدوده فقط؛ يحرس معنى الحدود في منطقة تتآكل فيها الدول.
– حين انهارت سوريا، لم يسمح الأردن للفوضى أن تصبح نظاما بديلا على حدوده….
– وحين تمزق العراق، لم يتحول الأردن إلى ممر مفتوح للمليشيات والسلاح….
– وحين انفجرت القضية الفلسطينية، بقي الأردن حاملًا للوصاية والذاكرة والحد الأدنى من العقل السياسي.
– وحين تمددت المخدرات والسلاح من الشمال، لم تكن المعركة أردنية فقط؛ كانت معركة حماية الخليج أيضا، لأن الأردن صار خط الدفاع الأول أمام طريق الكبتاغون إلى أسواق المنطقة.
* وقد وثقت رويترز ضبط الأردن شحنات ضخمة على الحدود السعودية، مع اتهامات أردنية وغربية لشبكات مرتبطة بسوريا وميليشيات موالية لإيران.
نعم وأكرر : تحتاج المنطقة إلى الأردن؛ لأنه ليس دولة تبحث عن مشكلة كي تثبت حضورها، بل دولة تمنع المشكلات من الوصول إلى الآخرين.
الأردن لا يملك رفاهية الصخب…. لو صرخ كما يصرخ الآخرون لاحترقت الجغرافيا…
ولو اندفع كما يندفع الآخرون لانفتح الباب على فوضى لا يعرف أحد نهايتها…
في السياسة، ليست البطولة دائما في اقتحام المشهد…
أحيانا تكون البطولة في منع المشهد من الانهيار….
وهذا هو الدور الأردني:
إدارة الخطر بصمت، امتصاص الصدمات بلا استعراض، وحماية المنطقة من الفراغ.
– الأردن بالنسبة لفلسطين ليس بديلا عن فلسطين، بل مانع تصفية فلسطين…
لذلك كل مشاريع التهجير والتوطين تصطدم بعَمّان قبل أن تصطدم بأي عاصمة أخرى.
وقد حذرت تحليلات أمريكية من أن أفكار نقل الفلسطينيين إلى الأردن ومصر قد تهدد استقرار المملكة والسلام الإقليمي.
والأردن بالنسبة لسوريا ليس جارا فقط؛ هو صمام جنوبها….
وبالنسبة للعراق ليس ممرا تجاريا فقط؛ هو حاجز بين المشرق العربي وموجات الفوضى.
وبالنسبة للخليج ليس دولة فقيرة تطلب الدعم؛ هو عمق أمني متقدم….
وبالنسبة للغرب ليس حليفا صغيرا؛ هو نقطة ارتكاز في منطقة تتكاثر فيها النقاط المشتعلة…..
الأردن يحتاج إلى الدعم، نعم…. لكنه لا يحتاجه كمِنّة… بل يحتاجه لأن استقراره خدمة إقليمية عامة…
فأهمية الدُول لا تُقاس فقط بما تنتجه داخل حدودها، بل بما تمنع حدوثه خارج حدودها…. والأردن منع كثيرا مما لا يُرى… يا من لا ترون إلا سوادا مُتأصّلا في دواخلكم..
الأردن منع انتقال الحريق السوري جنوبا…
ومنع تحول المخيمات إلى جيوش غضب….
ومنع القضية الفلسطينية من أن تُختصر في اليأس أو التهجير….
ومنع المشرق من أن يفقد آخر منطقة وسطى بين المحاور….
ومنع المنطقة من أن تصبح بلا دولة عاقلة في قلب العاصفة….
لهذا تحتاج المنطقة إلى الأردن أكثر مما يحتاج الأردن إليها.. والأردن ليس عبئا على الإقليم، بل بوليصة تأمين له… ومن لا يرى قيمة الأردن اليوم، سيرى كُلفته يوم يختلّ ( لا قدّر الله ) … فالدول المفصلية لا تُعرف قيمتها حين تقوم بدورها، بل حين تتوقف عن القيام به….
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة