قرأت مقالة للكاتب الأردني عبدالهادي راجي المجالي، ثم قرأت عددا كبيرا من التعليقات عليه، وربما وجدت في التعليقات ما هو أخطر من المقال نفسه.
لأن النقاش، شيئا فشيئا، انزلق إلى ثنائية أظنها أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة الأردنية:
*الدولة في جهة، والإسلاميون في الجهة الأخرى.*
وهنا تبدأ المشكلة…..
ليس لأن الإسلاميين فوق النقد، وليس لأن التجربة الحزبية الجديدة ناجحة بالضرورة، وليس لأن كل ما تقوله المعارضة صحيح؛ وإنما لأن مجرد بناء المعادلة بهذه الطريقة يضع الدولة في موضع أصغر من حقيقتها.
*الدولة لا ينبغي أن يكون لها خصم حزبي؛ لأن الدولة ليست حزبا*
الحكومة قد ينافسها حزب، والأغلبية قد تواجهها معارضة، وبرنامج سياسي قد يهزم برنامجا آخر، لكن الدولة هي الوعاء الذي يحتوي الجميع….
الإسلامي أردني داخل الدولة الأردنية، والقومي أردني داخل الدولة الأردنية، والليبرالي والمحافظ والعشائري واليساري والمستقل كذلك…
ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق أن نسأله “يا بني قومي” ليس:
“كيف نوقف تمدد الإسلاميين؟”
بل:
“لماذا استطاع تيار سياسي أن يتمدد بينما عجز الآخرون عن منافسته؟”
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين عقل الدولة وعقل الخصومة.
الأول يبحث عن أسباب الظاهرة…. والثاني يبحث عن طريقة لإزالة صاحبها.
==
نعم، أصاب عبدالهادي في موضع مهم جدا: التنظيم ينتصر غالبا على الفراغ.
حين يكون لدى طرف كوادر، وخطاب، وهوية، وشبكات اجتماعية، وقدرة على التعبئة، وذاكرة تنظيمية متراكمة، بينما يأتي منافسه إلى السياسة كما يأتي موظف إلى مكتبه؛ فلا ينبغي أن نفاجأ بالنتيجة….
لكن هذه ليست عبقرية إسلامية خارقة، ولا مؤامرة كونية….
إنها قاعدة سياسية قديمة:
“الفراغ لا يبقى فراغا؛ يملؤه الأكثر استعدادا”
ولو كان الأكثر تنظيما قوميا لملأه….
ولو كان يساريا لملأه.
ولو ظهر تيار وطني حديث يمتلك خطابا اقتصاديا واجتماعيا مقنعا وقيادات حقيقية وقواعد في المحافظات، فسيأخذ نصيبه أيضا.
المشكلة إذن ليست أن الإسلاميين يمتلكون مشروعا…
المشكلة أن آخرين دخلوا المنافسة “بلا مشروع يكافئه”!
ومن أغرب أنواع التفكير السياسي أن نعاقب المتسابق لأنه ركض جيدا، بدل أن نسأل لماذا دخل الآخرون المضمار بلا تدريب.
===
لكنني أختلف مع المقال حين ينتقل من هذه الملاحظة الذكية إلى استنتاج أكبر بكثير: ربط التحول داخل الحركة الإسلامية الأردنية بإعادة قراءة سيد قطب بعد السابع من أكتوبر….
هذه فرضية مثيرة فكريا، لكنها تحتاج إلى ما هو أكثر من التشابه الزمني….
في العلوم السياسية هناك فرق كبير بين “التزامن والسببية”
أن يقع أمران في الزمن نفسه لا يعني أن أحدهما أنتج الآخر….
إذا أردنا القول إن جيلا سياسيا أردنيا انتقل من “قطب النظري” إلى “قطب الثوري”، فنحن بحاجة إلى خطاب موثق، ووثائق، وتحولات في الأدبيات، وبرامج، وقرارات، وممارسات قابلة للقياس.
أما قراءة النوايا من ارتفاع نبرة الخطاب، أو من سلوك نائب، أو من تبدل الأجيال، فهي تصلح لبناء فرضية بحثية؛ لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم سياسي بهذا الحجم.
والأهم:
لا تجعلوا سيد قطب أكبر من الأردن…
ليس كل إسلامي قطبيا، وليس كل من قرأ “معالم في الطريق” مشروع ثورة مؤجلة، مثلما أن قارئ ماركس ليس بالضرورة مشروع لينين، وقارئ نيتشه ليس مشروع انقلاب على الأخلاق، وقارئ مكيافيللي ليس أميرا ينتظر أن يستولي على القصر….
الأفكار تُقرأ داخل بيئاتها، والمؤسسات تغيّر الأفكار مثلما تغيّر الأفكار المؤسسات.
والحركة التي تعمل تحت قانون الأحزاب، وتدخل الانتخابات، وتجلس في البرلمان، وتفاوض، وتقبل التداول داخل المؤسسات، يجب أن تُحاسب أولا على “سلوكها السياسي الفعلي”..
فإذا خالفت الدستور فهناك دستور….
وإذا خالفت القانون فهناك قضاء….
وإذا أخطأت سياسيا فهناك ناخب….
أما محاكمة النوايا، فهي باب إذا فتحناه على خصومنا اليوم، سيدخل منه خصومنا إلينا غدا.
===
أما المقارنة بين سيد قطب والخميني، فالتشابه بين بعض مفردات الحركات الإسلامية في القرن العشرين لا يجعل المشاريع متطابقة….
يمكن دراسة التأثيرات والتقاطعات الفكرية، وهذا بحث مشروع ومثير، لكن “التأثر شيء، والنَّسَب الفكري المباشر شيء آخر”….
ولاية الفقيه خرجت من بنية فقهية وعقدية شيعية لها تاريخها الخاص، بينما تشكل خطاب قطب داخل سياق سُني حركي مختلف.
وقد تلتقي أيديولوجيتان في رفض واقع سياسي، ثم تختلفان جذريا في مصدر الشرعية وشكل السلطة وبنية المجتمع.
فالاشتراك في بعض الأسئلة لا يعني وحدة الإجابات.
===
ثم نصل إلى أخطر نقطة:
إذا كانت الأحزاب ضعيفة، والإسلاميون أقوى تنظيما، والطبقة السياسية فشلت، فهل يكون الحل “تعطيل البرلمان”؟!!
هنا تحديدًا ينبغي أن نقلب المعادلة….
إذا فشل الطبيب، لا نلغي الطب.
وإذا فشلت مدرسة، لا نلغي التعليم.
وإذا كانت الصحافة رديئة، لا نلغي حرية الصحافة.
وكذلك إذا كان البرلمان ضعيفا، فإن السؤال الناضج ليس: كيف نتخلص من البرلمان؟
بل:
كيف نصنع برلمانا لا نستطيع الاستغناء عنه؟
فالهدوء السياسي ليس دائما صحة سياسية….
المريض تحت التخدير هادئ جدا أيضا.
لكن وظيفة الطب ليست إبقاءه مخدرا؛ بل إعادته إلى الحياة دون عقاقير….
والدولة القوية ليست الدولة التي لا تسمع فيها صوتا مرتفعا، وإنما الدولة التي تستطيع مؤسساتها استيعاب الأصوات المرتفعة دون أن يهتز سقفها.
===
وأختلف كذلك مع تعبير “شطب الطبقة السياسية”…
أتفهم الغضب من ضعف النخب، لكن الدول لا تُبنى بالممحاة.
من يشطب؟
وبأي معيار؟
ومن يختار البديل؟
ومن يضمن أن الذي يحمل الممحاة اليوم لن يصبح هو نفسه بحاجة إلى الشطب غدا بممحاة سواه؟
التاريخ السياسي يعلمنا أن أخطر الكلمات تبدأ أحيانا بنوايا جميلة:
التطهير.
الاجتثاث.
الإقصاء.
الشطب.
ثم نكتشف أن المؤسسات أكثر حكمة من المزاج….
“دعوا المجتمع يشطب الفاشل بصندوق الاقتراع”
ودعوا القانون يشطب الفاسد بحكم القضاء….
ودعوا السوق السياسي يطرد الحزب الذي لا يقنع الناس….
هذه أبطأ من الممحاة، نعم، لكنه أكثر أمانا للدولة.
===
أما الذين غضبوا من المقال لأنهم رأوا في نقد الحركة الإسلامية حربا على الإسلام، فأختلف معهم أيضا…
ولي في ذلك ورقة ثانية بإذن الله ..
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة