لمن يحاول الآن أن يحرف النقاش، ويصور كلامي وكأنني أشجع على الغناء والرقص والفجور، أو أدافع عن حفلات سابقة أو قادمة:
**الحكم الشرعي عندي معروف، وموقفي الشخصي أوضح من أن أزايد به على أحد: لم أدخل حفلاً راقصًا في حياتي، ولن أفعل ـ بإذن الله ـ حتى ألقى ربي.. بإذنه ورحمته وتوفيقه..
لكن هذا ليس موضوعي أصلا …
موضوعي أن “الحكم الشرعي لا يتغير بتغير الموقف السياسي للمُغني، ولا الفضيلة تُمنح للناس وفق اصطفافاتهم السياسية” ..
أصالة نصري ـ مع كامل حقها علينا في ألا نظلمها وألا نفتش في سريرتها وألا نُسيء لها ـ مغنية كغيرها من المغنيات؛ ترتدي على المسرح كما ترتدي كثيرات، وتغني وتتمايل كما يفعل أهل هذا الفن…..
فإذا كنتم ترون هذا الفعل مُنكرا، فسيظل منكرا عندما تفعله مطربة تتفق معكم سياسيا، كما هو منكر عندما يفعله مطرب تختلفون معه أو مع البلد الذي يغني فيه….
الموقف السياسي لا يحوّل صاحبَه إلى واحد من المبشرين بالجنة….
وبالمقابل، لا أطلب من أحد أن يبشر أصالة أو عمرو دياب أو غيرهما بالنار والجحيم….. لسنا خزنة الجنة ولا النار، ولا نملك مفاتيح مصائر العباد…
نسأل الله أن يغفر لنا ولهم، وأن يحسن خواتيمنا جميعا.
والإنصاف يقتضي أيضا ألا نختزل إنسانا في باب واحد من حياته.
فقد تجد فنانا له من المخالفات ما له، وله في الوقت نفسه أبواب خير وصدقات وإغاثة لا نعلم عنها شيئا….
وعُرف عن بعض الفنانات والراقصات إطعام الفقراء في رمضان، ومساعدة المحتاجين، والمساهمة في علاج المرضى وإجراء العمليات لهم.
هذا الخير لا يجعل الخطأ صوابا، كما أن الخطأ لا يمنحنا حق إنكار كل خير فعله صاحبه.
فالعدل ألا نُزوّر الحسنات بسبب السيئات، ولا نُحوّل السيئات إلى حسنات بسبب المواقف السياسية التي تتوافق مع توجهاتنا …
وهنا أصل المشكلة التي تحدثت عنها منذ البداية:
لماذا خفّ ميزانكم الأخلاقي يا بعض القوم.. مع من حضر حفل أصالة في دمشق، وثقل فجأة مع من حضر حفل عمرو دياب في العقبة ( الأردن) ؟
إذا كان حضور الحفلات عندكم معصية، فهي معصية هنا وهناك…
وإذا كان الرقص والغناء في الوقت الذي تُدفن فيه أجساد الشهداء في غزة سقوطا أخلاقيا، فما الذي تغيّر بين دمشق والعقبة؟
غزة نفسها.
الشهداء أنفسهم.
الزمن نفسه تقريبا.
والفعل من جنسه نفسه….
الذي تغير فقط هو اسم الفنان واسم البلد والموقف السياسي..
وهذا تحديدا ما أعترض عليه….
لا أدافع عن حفل عمرو دياب، ولا أحتاج إلى مهاجمة حفل أصالة.
أنا أدافع عن شيء أقدم من الاثنين وأثقل منهما:
“العدل” …
فالعدل ليس أن تتشدد في الحكم على فعل خصمك، ثم تبحث عن الأعذار للفعل نفسه عندما يأتي ممن تحب….
والورع ليس أن تستحضر غزة عندما يكون المسرح في الأردن، ثم تستحضر “حق الناس في الحياة والفرح” عندما ينتقل المسرح إلى مكان آخر.
والدين ليس أداة نرفع بها سقف التحريم على خصومنا، ثم نخفضه لمن توافق مواقفه السياسية أهواءنا.
هذا ليس ورعا….. هذا انتقاء فجّ في تطبيق الورع…
وأخطر ما في المسألة أن يتحول الانحياز السياسي شيئا فشيئا إلى ميزان ديني: نخفف الحساب عمن يوافقنا، ونغلظه على من يخالفنا، ثم نتصور أننا نفعل ذلك لله…..
لا…..
الله أعدل من أهوائنا، والشريعة أثبت من اصطفافاتنا، والحق لا تتغير حقيقته لأن صاحبه هتف بالشعار الذي نحبه….
فلا تُحملوني كلامًا لم أقله…. كما هي عادة بعض مسوخ القوم ..
أنا لا أقول: ارقصوا.
ولا أقول: غنوا….
ولا أقول: أقيموا الحفلات وغزة تنزف….
أنا أقول شيئا واحدا فقط:
إذا حرّمتم، فاعدلوا.
وإذا أنكرتم، فاعدلوا.
وإذا سامحتم، فاعدلوا.
وإذا بحثتم عن الأعذار، فاعدلوا….
ولا تجعلوا الموقف السياسي صك غفران لهذا، وصك إدانة لذاك.
فالمشكلة ليست أنكم أنكرتم حفل عمرو دياب….
المشكلة أن ذاكرتكم الدينية والأخلاقية اشتغلت في العقبة، بينما كانت في إجازة في دمشق…. !!
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة