يا بعض أبناء بلدي الكرام ..
أتفق معكم في إدانة الفكر الذي يستبيح دماء الأبرياء باسم الدين، وفي ضرورة مراجعة كل خطاب يحرض على العدوان… لكنني أختلف مع بعضكم في نقطة جوهرية، وهي الخلط الذي قد ينشأ بين التكفير باعتباره حكما عقديا، والتكفير باعتباره ممارسة عدوانية تمنح صاحبها حق الاعتداء على الآخرين.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين، لأننا حين نناقش قضية بهذه الخطورة لا يجوز أن نخلط بين المصطلحات ثم نبني على هذا الخلط أحكاما عامة.
ليس على وجه الأرض دين يمتلك منظومة اعتقادية محددة إلا وله حدود تميز الإيمان به من عدم الإيمان…
فالمسيحية، مثلا، لها عقائد مركزية في طبيعة المسيح والخلاص، ومن يرفضها لا يكون مؤمنا بها وفق التصورات اللاهوتية التي تشترطها.
واليهودية لها أصول إيمانية تميز المنتمي إليها دينيا، مع اختلاف مدارسها في تحديد هذه الأصول.
وكذلك الإسلام له أركان إيمان وأصول اعتقاد، ومن أنكر أصلا قطعيا منها عن علم وقصد فقد يخرج من دائرة الإيمان به وفق ضوابطه الشرعية.
فهل أصبح مجرد وجود حدود فاصلة بين الإيمان والكفر جريمة فكرية؟
إذا كان الجواب نعم، فنحن لا ننتقد التطرف، بل نطالب الأديان بالتخلي عن خصائصها العَقَدية حتى تصبح مقبولة في المجال العام.
ليس مطلوبا من المسلم أن يعتقد بصحة كل العقائد حتى يكون مسالما مع أصحابها، وليس مطلوبا منه أن يتنازل عن يقينه الديني حتى يحترم حق الآخرين في الحياة والكرامة.
وهنا تظهر عظمة التمييز الذي قرره الإسلام بين الحكم على المعتقَد والحكم على الإنسان في حقوقه الدنيوية.
فالقرآن الذي قال: “لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم”
هو نفسه الذي قال: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”…
تأملوا هذا البناء الأخلاقي والتشريعي العجيب:
يرفض الإسلام عقيدة مخالفة رفضا صريحا، ثم يأمر بالبر والقسط مع أصحابها غير المحاربين.
لم يشترط عليهم تغيير معتقداتهم ليستحقوا العدل، ولم يجعل الاختلاف في العقيدة مسوغا للظلم.
بل إن القرآن بلغ في تقرير العدالة مبلغا أبعد حين قال:
“ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”..
أي إن العدل ليس مكافأة لمن نحب، ولا امتيازا نمنحه لمن يوافقنا، بل واجب أخلاقي حتى تجاه من نبغض.
وهذا يقودنا إلى التمييز الأهم الذي يغيب عن كثير من النقاشات المعاصرة:
الحكم على الفكرة ليس حكما بإهدار حقوق صاحبها، والحكم على فعل بأنه كفر ليس بالضرورة حكما على فاعله المعين بالكفر.
ولهذا فرّق علماء الإسلام بين التكفير المطلق وتكفير المُعين، وتحدثوا عن الشروط والموانع، وعن الجهل والتأويل والإكراه، وحذروا من التسرع في إخراج المسلمين من دينهم.
وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما”..
فأي دين هذا الذي يُتهم بأن التكفير فيه باب مفتوح، بينما يجعل نبيه إطلاق هذه الكلمة على المسلم بغير حق أمرا بهذه الخطورة؟
ثم إنني أتحفظ على اختزال صناعة الإرهاب في فكرة دينية منحرفة وحدها، كما أتحفظ على اختزالها في الفقر والبطالة.
الدراسات المعاصرة في التطرف العنيف تتناول تفاعلا معقدا بين الهوية والانتماء والمظالم السياسية والشبكات الاجتماعية والتجنيد والدعاية والأيديولوجيا.
وليس هناك تفسير علمي واحد يحول كل إرهابي إلى نتيجة حتمية لخطبة مسجد أو كتاب مدرسي يحُثّ على الإحتشام.
وإذا كنا نطالب بمواجهة الفكر التكفيري، وهو مطلب مشروع حين يتعلق بالتحريض واستباحة الدماء، فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل المشكلة في المؤسسات الدينية، وألا نجعل التدين المحافظ موضع اشتباه دائم.
أما مراجعة المناهج والخطاب الديني فلا أرى فيها حرجا من حيث المبدأ، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو:
هل نريد تنقية التعليم من التحريض على الظلم والقتل، أم نريد تنقيته من العقائد التي لا تنسجم مع التصورات الفكرية السائدة؟
بين الأمرين فرق بالغ الخطورة…
فمن حق المجتمع أن يرفض تعليم الطفل احتقار الآخرين والاعتداء عليهم، وليس من حق أحد أن يشترط على المسلم التخلي عن اعتقاده بأن الإسلام هو الحق حتى يحصل على شهادة الاعتدال.
وأخشى أن يتحول خطاب مواجهة التطرف، إن افتقد الدقة، إلى محاكمة للتدين نفسه، وأن نصل إلى مفارقة عجيبة يصبح فيها المسلم مطالبا بالاعتذار عن أحكام دينه الواضحة كلما ارتكب مجرم جريمة ورفع شعارا إسلاميا.
= الإرهاب لا يصبح إسلاميا لمجرد أن مرتكبه مسلم، كما أن الجريمة لا تصبح مسيحية أو يهودية لمجرد أن مرتكبها استدعى نصا دينيا لتبريرها.
العبرة بالنصوص وأصول تفسيرها وضوابط تنزيلها على الواقع، لا بادعاءات الجناة وحدها.
وأختم بما أراه أصل المسألة:
ليس التطرف أن تعتقد أن دينك هو الحق، وإنما أن تتوهم أن اعتقادك بالحق يمنحك حق ظلم الناس.
وليس التسامح أن تتساوى العقائد كلها في ضمير المؤمن، وإنما أن يحفظ للآخر حقوقه وكرامته وإن خالفه في أعمق ما يؤمن به.
الإسلام لا يحتاج منا إلى إخفاء عقائده دفاعا عن صورته، ولا إلى تبرير جرائم من يعتدي على الناس باسمه.
إنما يحتاج إلى إنصاف في فهمه، وشجاعة في مواجهة من يُحرف أحكامه، وعدالة في التمييز بين ما قرره الدين وما ارتكبه بعض المنتسبين إليه.
فلا تجعلوا من محاربة التكفير العدواني حربا على مفهوم الإيمان والكفر، ولا تجعلوا من جرائم المتطرفين سببا لمطالبة الإسلام بالتنازل عن يقينه العقدي.
فالعدل مع المخالف لا يقتضي الإيمان بمعتقده، والبر به لا يقتضي تصحيح عقيدته، وحرمة دمه لا تتوقف على اتفاقنا معه.
وهذه ليست ثغرة في الإسلام تحتاج إلى إصلاح، بل واحدة من أعظم فضائله التي ينبغي أن نحسن فهمها والدفاع عنها.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة