هل انتهت فكرة التعايش العربي الإسرائيلي؟

لئن كان عام 48 يسمى عام النكبة بعد الهزيمة المنكرة للعرب أمام العدو الصهيوني الذي أعلن قيام دولته المزعومة، إلا أنني أعتبر هزيمة 67 هي النكبة الحقيقية، لأنها قضت على هدف التحرير الكامل لدى العرب – باستثناء أصحاب الأرض- وأصبح العمل السياسي العربي بعدها ينصب على العودة إلى حدود الرابع من يونيو 67، فأصبحت القضية ليست التحرير، وإنما قيام دولة فلسطينية جنبًا إلى جنب مع الدولة الإسرائيلية.

الكيان الإسرائيلي الذي لا يكف عن التوغل والتغول، ظل يساوم دهرًا على التطبيع مقابل النظر في حل الدولتين، وعلى الرغم من كل الاستجابات العربية للتطبيع مع الإسرائيليين برعاية الإدارات الأمريكية المتعاقبة، إلا أن المنحنى المتصاعد لهيمنة اليمين المتشدد على القرار الإسرائيلي قد أعلن إجهاض حل الدولتين والتعايش السلمي.

نتنياهو أعلنها صراحة أنه لن تكون هناك دولة للفلسطينيين، ورموز حكومته الائتلافية يضغطون بهذا الاتجاه، وجنرالاته يعلنون بقاءهم في غزة والجولان والجنوب اللبناني.

الكيان الإسرائيلي يختلف عن الصورة النمطية للأنظمة الاستعمارية، التي تسعى للهيمنة والسيطرة، فالاحتلال الإسرائيلي قائم على استراتيجية المحو الشامل للوجود الفلسطيني، وتشمل محو التاريخ واللغة والهوية والجغرافيا، فهو مشروع استيطاني إحلالي يستند في جوهره إلى إلغاء وجود الآخر الفلسطيني، ليتمكن ذلك الاحتلال من تحقيق هوية دينية وقومية حصرية.

ولئن كانت الولايات المتحدة تبذل مساعيها للتطبيع من أجل تخفيف الكلفة في إدارة ملفات المنطقة خاصة الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أن حكومة الاحتلال لم تعد تعبأ بالتطبيع، تريده فقط بالمجان، وليست على استعداد للمساومة على مشروعها التوسعي الصهيوني الذي يبدأ بالتهام كامل الأراضي الفلسطينية.

وما نراه اليوم من رفض الاحتلال خطة السلام في غزة واستمرار القصف الهجمي، وما نراه من حمى الزحف الاستيطاني في الضفة، وما نراه كذلك من تعنت بشأن الانسحاب من الجنوب اللبناني والجنوب السوري، كل ذلك يعني أن الاحتلال لم يعد في حساباته فكرة التعايش السلمي مع العرب التي كان يعلنها في السابق.

يسهل أن نعثر على خطاب سياسي يتحدث عن التعايش العربي الإسرائيلي، باعتباره الهدف الطبيعي الذي تسعى إليه المنطقة، لكن هذه الصورة السطحية تتجاهل السؤال الأكثر واقعية وجوهرية: تعايش بين من ومن، وعلى أي أساس، وتحت أي شروط؟

فكرة التعايش لا يمكن بناؤها على سلب وانتزاع حقوق أحد الطرفين، فالسلام الحقيقي لا يقوم بين طرف يحتفظ بالقوة والسلاح وأدوات السيطرة، وطرف آخر لا يملك إلا ذاكرة معبأة بالظلم والاضطهاد والعدوان ثم يُطلب منه أن يتكيف مع واقع قد فرض عليه قسرًا. ولا يمكن أن يصبح احتلال الأرض وضعًا طبيعيًا لمجرد أن المجتمع الدولي قد ألف التعامل معه، ولا يمكن أن تتحول حقوق شعب كامل إلى تفصيلة ثانوية في مشروع إقليمي عنوانه الاستقرار.

وها هنا لا مجال للربط المتعسف بين فكرة تعايش العرب مع اليهود، وفكرة تعايش العرب مع الكيان الصهيوني الغاصب، وهو الربط المحبب للاحتلال وأعوانه لتحويل القضية إلى اضطهاد ديني لليهود في المحيط العربي.

البقاع العربية ومنها فلسطين كانت مفتوحة لليهود خاصة مع الهجرات اليهودية فرارًا من البطش والاضطهاد الأوروبي، وهناك في فلسطين وغيرها عائلات يهودية لها جذورها القديمة في الوطن العربي.

لم تكن هناك أزمات تذكر في هذا الجانب، إلا بعد أن بزغت الصهيونية وشبّع سياسيوها وأساطينها أبناء الطائفة اليهودية بفكرة أرض المعاد والحق اليهودي في فلسطين. وبعد تزاوج الصهيونية بالإمبريالية الغربية قامت عمليات الهجرات اليهودية من بقاع الأرض على الفكرة الدينية المختلقة، وبرعاية بريطانية كاملة مكن الإنجليز للعصابات الصهيونية في فلسطين بداية من وعد بلفور، وانتهاء بإعلان بريطانيا انتهاء الانتداب في فلسطين، لتتركها لقمة سائغة لتلك العصابات التي لم تضيع الوقت وأعلنت قيام الدولة اللقيطة.

من هذا المنظور، فإن الحديث عن استحالة التعايش العربي الإسرائيلي يعني استحالة بناء تعايش مستقر وطويل الأمد ما دام المشروع السياسي الإسرائيلي قائماً على السيطرة على الفلسطينيين وحرمانهم من حقوقهم الوطنية والسياسية الأساسية. .

هناك شعب فلسطيني اقتُلع جزء كبير منه من أرضه، وعاش أجيالاً من اللجوء والاحتلال والحصار، وما زال يعاني من واقع سياسي مجزأ بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ومخيمات اللجوء والشتات.

وفي المقابل توجد دولة تمتلك جيشاً قوياً ومؤسسات سيادية وقدرات عسكرية متقدمة، وتسيطر على مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية وتتحكم بدرجات مختلفة في حركة الفلسطينيين وحياتهم اليومية.

حين تكون هذه هي نقطة الانطلاق، فإن مطالبة الطرف الأضعف بالتعايش السلمي قبل معالجة أسباب الظلم تبدو أقرب إلى مطالبة الضحية بالتأقلم مع الجرح بدلاً من إيقاف النزيف.

لا يمكن بأي حال عند الحديث عن فكرة التعايش العربي الإسرائيلي تجاهل الذاكرة الفلسطينية، فالفلسطينيون لا ينسون اقتلاعهم من بيوتهم، ولا القرى التي دُمرت، ولا المخيمات التي نشأت نتيجة اللجوء، ولا الحروب التي أعادت تشكيل حياة أجيال كاملة.

قبل البحث عن قابلية تمرير فكرة التعايش لدى العرب، ينبغي النظر أولًا إلى مثيلتها لدى الاحتلال، والذي يبرهن من خلال سياسات الزحف الاستيطاني والتمدد العسكري خارج الحدود وسياسات التهجير، أنه لا يقبل فكرة التعايش السلمي مع العرب.

لهذا فإن أكبر خطأ سياسي هو التعامل مع فلسطين باعتبارها عقبة أمام السلام. فلسطين ليست العقبة أمام السلام؛ الظلم الواقع على الفلسطينيين هو العقبة.

ولا يمكن للمنطقة أن تنتقل إلى مستقبل مستقر عبر دفن القضية الفلسطينية تحت الاتفاقيات، ولا عبر تحويل الاحتلال إلى أمر طبيعي.

لقد آن الأوان لغسل العرب أيديهم من آمال التعايش العربي الإسرائيلي، والتعامل على أنها قضية احتلال واغتصاب لأرض عربية ينبغي تحريرها، وقضية مشروع صهيوني عابر لحدود فلسطين المحتلة إلى دور الجوار.

أما التمسك بهذه الفكرة في ظل لفظ العدو الصهيوني لها، فهو مجرد تأجيل لمواجهة الحقائق، وتحميل أثقالها على كاهل الأجيال القادمة.

قد يبدو هذا الطرح تنظيريًا باعتبار العجز العربي وغياب المشروع الفلسطيني الجامع إضافة إلى المظلة الأمريكية لرعاية وحماية العربدة الإسرائيلية، لكن مما لا شك فيه أن تقرير حقيقة انتهاء فكرة التعايش والسلام بين العرب والصهاينة هو الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح، بدلًا من تبديد أعمار الأمة في هذا الوهم.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حتى السعادة صار عليها أن تقدم أوراق اعتمادها أمام الجمهور!

هناك فقراء يملكون ملايين المتابعين…. فقراء إلى السكينة… فقراء إلى شخص واحد يستطيعون أن يسقطوا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *