حاسبوا الفكرة… لا تسحقوا الإنسان

أكتب هذه الكلمات لا لأنتصر لنفسي، ولا لأستدرّ عطف أحد، ولا لأطلب من الناس أن يتوقفوا عن نقدي أو جرحي…

انتقدوني وقولي وما قدّمتُ في حياتي كما تشاؤون، ولكن لا تسلبوني إنسانيتي وأنتم تنتقدونني….

فثمّة فرق هائل بين أن تقول لإنسان: أخطأتَ هنا، وبين أن تُقيم له محكمة شعبية، ثم تفتح أبوابها لكل عابر ليضع شتيمته في ملف الاتهام…..

وما أكثر ما نسينا هذا الفرق في زمن المنصات….

كلما رأيتُ آلاف الناس يحتشدون حول اسم إنسان واحد؛ يفتشون في ماضيه، ويستخرجون كلماته القديمة، ويقتطعون جملة من سياقها، ثم يتسابقون إلى إهانته، أسأل نفسي سؤالا بسيطا:

ماذا سيبقى من كل هذا بعد الموت؟

بعد مائة عام، أين سنكون جميعا؟

أنا، ومن يحبني، ومن يكرهني، ومن كتب عني كلمة طيبة، ومن قضى ليلة كاملة يبحث في أرشيفي عن زلّة أو خلل أو رأي مُخالف؟

سنكون جميعا تحت تراب واحد…

وستسقط هناك أسماء الحسابات، وأعداد المتابعين، وشارات التوثيق، والمناصب، والخصومات، والانتصارات الصغيرة التي صفّق لها الناس يوما.

ولن يبقى إلا شيء واحد:

ماذا حمل كل واحد منا معه إلى الله؟

ولهذا يخيفني حديث “المفلس” أكثر مما تخيفني حملات تشويه الناس للناس…

فقد سأل النبي ﷺ أصحابه: “أتدرون من المفلس؟” ثم بيّن أن المفلس الحقيقي قد يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، لكنه يأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وظلم ذاك؛ فتنتقل حسناته إلى الذين ظلمهم….

يا الله…

قد يقضي الإنسان عمره يجمع الحسنات، ثم يوزعها في آخر الطريق على أناس لا يحبهم !

وقد يكره إنسانا في الدنيا إلى درجة أنه يهديه من حسناته في الآخرة…

أي خسارة أشد عبثا من هذه؟

والقرآن لم يقل لنا: لا تختلفوا….

ولم يقل: لا تنتقدوا….

ولم يجعل البشر فوق المحاسبة….

لكنه وضع للسجال أخلاقا؛ فقال سبحانه:

﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾

ثم قال:

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾

ثم أغلق بابا آخر من أبواب خراب المجتمعات:

﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ… وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.

ولفتتني دائما عبارة ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾….

لم يقل: لا تلمزوا الآخرين فحسب….

قال: أنفسكم….

كأن المجتمع الذي يهين بعضه بعضا لا يجرح أفرادا منفصلين؛ بل يجرح نفسه.

حين نهدم كرامة إنسان أمام أولاده وأهله الذين يُحبونه ويُقدّرونه لأسباب كثيرة يعرفونها عنه، نحن لا نبني وطنا …

وحين نحول المختلف معنا إلى مادة للسخرية، نحن لا نخدم قضية…..

وحين نجمع الآلاف على شخص واحد حتى يصبح اسمه شتيمة، فنحن لا نمارس النقد؛ نحن ندرب مجتمعا كاملا على القسوة…..

والقُساة لا يبنون أوطانا عظيمة، حتى لو حفظوا كل شعارات وأغاني تمجيد الوطن….

وأقول هذا وأنا لا أتبرأ من تاريخي ولا أدعي العصمة….

كتبتُ وأصبت…

وكتبتُ وأخطأت….

اعترضتُ، وراجعتُ، وتغيّرت رؤيتي في أشياء، وثبتت فيّ أشياء أخرى.

فالإنسان الذي لا تتغير فيه فكرة واحدة خلال عشرين عاما إما أنه بلغ الكمال ـ ولا كمال لبشر ـ أو أنه توقف عن التفكير منذ عشرين عاما …

المراجعة ليست خيانة للماضي؛ أحيانا تكون أصدق اعتذار يقدمه العقل لنفسه…

وقد أحببتُ رجالا من قادة هذه الأمة، ولم يمنعني حبي لهم من الاختلاف مع بعض السياسات….

أحببت الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه .. وكتبتُ فيه وعنه الكثير؛ لأنني رأيت في تجربته قصة رجل جمع شتاتا وصنع دولة…..

وأحببت الملك سلمان حفظه الله وأكرمه، وكنتُ شديدة الحماسة يوم انطلقت عاصفة الحزم؛ لأنني قرأت المشهد يومها بزاويتي وقناعاتي ومخاوفي على المنطقة….

وأحببت التحولات الكبرى التي رأيتها في المملكة، وكتبت عنها ودافعت عن أشياء كثيرة منها…. وهذا واجب لا منّة فيه ولا كِبر..

كما أحببت الملك الحسين بن طلال رحمه الله؛ ذلك النوع من الرجال الذين يصبحون، بعد رحيلهم، جزءا من ذاكرة بلادهم لا مجرد صفحة في سجل حكامها….

وأحببت الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ورأيت في تجربته ما يستحق التقدير…

ولا تناقُض في حبهم جميعا ..

فأين التزلّف في هذا؟ ومنذ متى أصبح الحب تهمة ودليل أن المُحبّ مُرتزقة؟

أنا لا أتقاضى ثمن محبتي لأحد… والله سبحانه الشاهد علي…

أعيش اليوم في قريتي في شمال الأردن، ولا أزال أسدد لدكاكين أبنائها بقية ديون بناء بيتي…. وهذه التي يقولون عنها: “أُغلقت لها حنفية هنا، ففُتحت لها حنفية هناك”، يعرف صاحب محل الكهربائيات ومواد البناء في قريتها أن اسمها لا يزال مكتوبا في دفتر الدَّين !

غادرتُ بلادا أصبح فيها رفضي لتمجيد المليشيات الممولة إيرانيا والتي قتلت أبناء ديني على الهوية السُنية “تهمة”، وعُدت إلى أرض أجدادي وقد منحني أبي أجمل قطعة ورثها عن أبيه هدية بشرط جميل واحد: أن أعود إلى وطني….

فعُدتّ .. برّا بأبي السبعيني.. الذي أسأل الله أن يتقدّم بالسنّ وأنا تحت أقدامه ..

هنا أعطاني أبناء قريتي ما احتجته لإكمال بيتي بالدَّين؛ بلا شيكات، ولا بنوك، ولا واسطات….

فقط كلمة وثقة ووجوه يعرف بعضها بعضا…. ولعل هذا أكثر ما أحببته في العودة: أن أجد في زمن العقود والضمانات بقية من عالم كان وجه الإنسان فيه ضمانة، وكلمته عقدا، والمروءة رأس مال….

أحب هؤلاء الناس…

أحب التاجر الذي يخاف الله، والإنسان البسيط الذي فرح بعودتي قبل أن يسألني عن موقفي السياسي….

وأحسبهم أقرب إلى الفطرة التي لم تفسدها حسابات المُدن المعقدة، ولا أزكي نفسي ولا أحدا على الله؛ ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾.

التزلّف ليس أن تحب حاكما؛ التزلّف أن تبيع الحقيقة طلبا لما عنده….

أما أن تحب وتختلف، وأن تمدح الصواب وتعترض على ما تراه خطأ، فهذه ليست خيانة للضمير؛ بل هي محاولة للعدل….

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ فإذا كانت الكراهية لا تبيح لنا الظلم، فكيف أصبحت المحبة عندنا قرينة فساد؟

المؤلم ليس أن يتهمك أحد بأنك قبضت ثمن موقفك؛ بل أن يكون قد عاش طويلا في عالم المصالح حتى فقد القدرة على تصديق أن إنسانا قد يحب بلا ثمن، ويمدح بلا فاتورة، ويختلف بلا عداوة….

ولله الحمد على نعمة قرية ذكّرتني بأن بعض الأشياء لم تدخل السوق بعد:

الكلمة، والجيرة، والثقة، والمروءة… والمحبة التي لا تحتاج إلى إيصال قبض….

لا أحتاج أن أكره ملكا كي أثبت استقلالي، ولا أن أسب حاكما حتى أحصل على شهادة الشجاعة من جمهور غاضب…..

كما أنني لا أحتاج أن أوافق من أحب على كل شيء حتى يكون حبي صادقا.

نحن نفعل هذا مع آبائنا: نحبهم ونختلف معهم….

ومع أوطاننا: نعشقها وننتقد أخطاءها…..

فلماذا حين تدخل السياسة يصبح الإنسان مطالبا بأن يختار بين العبادة والكراهية؟

هناك مساحة واسعة اسمها: المحبة الواعية.

أن تحب الرجل وتختلف مع القرار…

أن تحفظ المقام وتناقش السياسة….

أن ترى الإنجاز ولا تنكر الخطأ….

وأن تعترض دون أن تتحول روحك إلى مستودع شتائم….

بل إن تاريخ المسلمين نفسه أكثر نضجًا من هذه الثنائية البائسة.

خذوا رجاء بن حيوة….

لم يقف بعيدا عن أبواب الحكم ليقضي حياته في شتم بني أمية، بل اقترب من دوائر القرار، ونصح، وحاول أن يجعل قربه بابا للإصلاح….

ومن أشهر ما حفظته المصادر دوره في نصح سليمان بن عبدالملك بأن يعهد بالخلافة إلى عمر بن عبدالعزيز…..

تأملوا المفارقة:

كان يستطيع أن يكون رجلا صالحا بعيدا عن السلطان، يلعن فساد السياسة في مجلسه، ثم يعود إلى بيته مرتاح الضمير….

لكنه اختار الطريق الأصعب:

أن يكون قريبا بما يكفي ليقول كلمة قد تغيّر قرارا….

ولست أقول إن القرب من السلطة فضيلة بذاته؛ فقد يكون القرب نفاقا، وقد يكون فسادا، وقد يكون بيعا للدين والدنيا…

لكن البعد أيضا ليس شهادة تقوى…

العبرة: ماذا فعلتَ بموقعك؟

قد يقف رجل على باب السلطان ليبيع ضميره….

وقد يقف آخر على الباب نفسه ليمنع مظلمة….

وقد يجلس ثالث بعيدا عنه ألف ميل، ثم يجعل حياته كلها سبابا لا يرد مظلمة ولا يطعم جائعا ولا يصلح قانونا …

المسافة من الحاكم ليست مقياس الأخلاق….

مقدار الخير الذي استطعت أن تدفعه إلى الناس هو المقياس….

ثم انظروا إلى نظام المُلك….

كان وزيرا في قلب الدولة السلجوقية، وخدم ألب أرسلان وملكشاه، ولم يمنعه وجوده داخل السلطة من أن يترك أثرا مؤسسيا هائلا…

وتشير المصادر التاريخية إلى شبكة المدارس النظامية التي ارتبطت باسمه في بغداد وغيرها، كما ألّف في الحكم والسياسة ونصح السلطان في شؤون العدل وإدارة الدولة.

ولم يكن نظام الملك مخترع فكرة المدرسة من الصفر؛ فقد سبقت النظاميات مدارس أخرى، لكن مشروعه أسهم في توسيع نموذج مؤسسي للتعليم تحت رعاية الدولة، واشتهرت النظامية في بغداد وغيرها ضمن ذلك الإرث.

وهنا السؤال الذي يعنيني:

أي الطريقين أنفع للناس: أن تصرخ في وجه السلطان ألف مرة من خارج القصر، أم أن تدخل إليه مرة فتخرج بمدرسة ومشروع؟

ليس هذا تبريرا للصمت عن الظلم والمفاسد.

حاشا لله ..

إنما هو اعتراض على الفكرة الساذجة التي تجعل الصِدام غاية في ذاته، وتجعل كل اقتراب من صاحب قرار نفاقا، وكل خصومة معه بطولة.

السياسة ليست مسابقة في ارتفاع الصوت وكمية الشتائم….

الإصلاح الحقيقي يُقاس بما تغيّر على الأرض…..

قد تكون كلمة حق علنية هي الواجب في موضع….

وقد تكون نصيحة خلف باب مغلق أنفع في موضع آخر….

وقد يكون بناء مؤسسة تبقى مائة عام أبلغ من خطبة صفق لها الناس عشر دقائق.

وهذه إحدى الأفكار التي غيّرتها التجربة في داخلي:

– كنت أظن يوما أن أشجع الناس أكثرهم قدرة على المواجهة…

– ثم اكتشفت أن الشجاعة أوسع من ذلك بكثير…

– أحيانا تكون الشجاعة أن تواجه….

– وأحيانا أن تصالح….

– وأحيانا أن تراجع موقفا صفّق لك الناس بسببه.

– وأحيانا أن تقول لمن يحبك: كنت مخطئا.

– وأحيانا أن تمد يدك إلى من اختلفت معه، لا لأنك ضعفت، بل لأنك اكتشفت أن بناء جسر واحد قد يخدم قضيتك أكثر من إحراق ألف جسر.

وأنا لا أكتب هذا لأقول للناس: لا تنتقدوني….

بل أقول:

حاسبوا أفكاري، ولا تسحقوا الإنسان الذي يحملها….

ناقشوا مقالة كتبتها قبل عشر سنوات….

قولوا: هنا أخطأتِ…

قولوا: هنا تناقضتِ….

ضعوا النص القديم إلى جانب الجديد واسألوني: ما الذي تغير؟

هذا من حقكم…. وسأجيب ما استطعت…

لكن لماذا الشتيمة؟

لماذا إهانة الأب والأم؟

لماذا إدخال الأسرة؟

لماذا تحويل خطأ سياسي أو اجتهاد فكري إلى ترخيص مفتوح لسحق كرامة إنسان؟

ماذا كسب الوطن عندما بكى طفل لأن أباه أصبح مادة للسخرية؟

ماذا ربحت فلسطين، أو أي قضية كبرى، عندما دخلت امرأة غرفتها وأغلقت الباب وبكت لأن آلاف الغرباء قرروا أن يسلبوها اسمها وكرامتها في ليلة واحدة؟

ماذا تغير في ميزان القوى؟

ماذا تحرر؟

ماذا بُني؟

– لا شيء….. !

ربما كُسر قلب فقط…. وهذه ليست بطولة.

وراء كل اسم ترونه على الشاشة بيت لا ترونه….

وراء السياسي أمّ….

وراء الكاتب أبناء….

وراء الإعلامية أب أو زوج أو أخ يقرأ ما تكتبون….

وراء الصورة التي تشتمونها إنسان يغلق هاتفه في الليل ويبقى وحده مع الكلمات الجارحة ..

نحن لا نعرف أي كلمة ستكون القشة الأخيرة في قلب إنسان….

ولهذا كانت المروءة أوسع من مجرد أن تقول الحق….

المروءة أن تعرف كيف تقول الحق دون أن تستمتع بإذلال من تقوله له….

وأخاطب هنا أهل المروءة تحديدا….. لا الذين يبحثون عن خصومة جديدة.

ولا الذين يقتاتون على الكراهية…. بل أولئك الذين لا تزال في صدورهم بقية من خوف الله…

يا أهل المروءة…

إذا رأيتم الناس قد اجتمعوا على إنسان، فلا تكونوا أسرعهم إلى الحجر….

اقرؤوا بأنفسكم….

اسألوا….

تثبتوا….

ثم إن أخطأ فقولوا: أخطأت…. ولكن اتركوا له بابا يعود منه.

فإن المجتمع الذي يغلق أبواب الرجوع على المخطئين لا يصنع صالحين؛ بل يصنع منافقين يخافون الاعتراف.

وقد علمتني السنوات شيئا قاسيا:

أن الإنسان يستطيع احتمال اختلاف الناس معه أكثر مما يستطيع احتمال شعوره بأنهم لم يعودوا يرونه إنسانا.

يمكنك أن تهزم حجتي، ولن أنكسر.

يمكنك أن تثبت خطئي، وسأتعلم.

لكن حين تجعلني وحشا في مخيلة الناس، وتنزع عني كل خير فعلته لأنك وجدت لي خطأً، فأنت لم تعد تناقشني….

أنت تعيد كتابة إنسانيتي بما يناسب غضبك…. وهذا ظلم….

ثم إننا جميعا أصحاب ملفات ناقصة….

لو فُتح أرشيف كل واحد منا منذ عشرين عاما، كم كلمة نتمنى لو لم نقلها؟

كم موقفا كنا نراه حقا ثم ظهر لنا نقصه؟

كم إنسانا أسأنا الظن به ثم عرفنا بعد سنوات أننا ظلمناه؟

الفرق فقط أن بعض الناس أخطاؤهم محفوظة في هواتف مليون إنسان، وبعضنا حفظ الله أخطاءه في ذاكرة خمسة أشخاص….

فلا تجعل ستر الله عليك حجةً لقسوتك على من انكشف خطؤه أمامك….

وأخيرا… واعذروني على الإطالة التي لا بُدّ منها لأقول كُل ما لدي..

سيأتي يوم لن يبقى فيه من هذه الخصومات شيء.

ستُغلق الحسابات…. وستخرس الهواتف.

وسيتوقف عداد المتابعين إلى الأبد….

وسيُكتب أمام الاسم الذي تشاجر الناس حوله طويلا: “رحمه الله “…

عندها ستبدو أشياء كثيرة صغيرة جدا….

وسيكتشف الذين أفنوا أعمارهم في الخصومات أن الحياة كانت أقصر من كل هذا الحقد.

لذلك، قبل أن تكتب عن إنسان كلمة لا تستطيع استردادها، تخيل أنك تقف معه غدا بين يدي الله.

ليس بين يدي جمهورك…. ولا أمام حزبك….ولا أمام دولتك… ولا أمام جماعتك.

أمام الله وحده….

ثم اكتب…..

إن بقيت الشتيمة ضرورية بعد ذلك، فاكتبها….

وإن استطعت أن تقول الحق بلا ظلم، فقله….

وإن استطعت أن تنتقد بلا إهانة، فافعل….

وإن وجدت في قلبك متسعًا للعفو، فاعفُ….

فلسنا خالدين هنا.

والمنتصر الحقيقي ليس من خرج من معركة تويتر وله ألف مصفق….

المنتصر من وصل إلى آخر الطريق بقلب لم يتلذذ بكسر قلب أحد، ولسان لم يحمل إلى قبره أعراض الناس….

أما أنا، فسأظل أحب من أحببت، وأراجع ما أخطأت فيه، وأنتقد حين أرى النقد واجبا، وأصمت حين يكون الصمت أحكم، وأقترب حين يكون في القرب إصلاح، وأبتعد حين يكون في البعد حفظ للدين والكرامة…..

لا أريد أن أكون صاحبة الصوت الأعلى….

أريد ـ ما استطعت ـ أن أكون صاحبة الأثر الأنفع….

وإذا كان لا بد أن نترك شيئا بعدنا، فليكن مدرسة كنظامية، أو نصيحة كرجاء، أو قلبا جبرناه، أو مظلمة دفعناها، أو كلمة خير بقيت بعد أن صرنا نحن ترابا.

فالأوطان لا تحتاج مزيدا من الناس الذين يجيدون صناعة الأعداء؛

تحتاج أناسا يعرفون كيف يختلفون، ثم يتركون للآخر مكانا في الوطن… ومكانا في قلوبهم….

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ليس خروج المرأة جريمة… بل استهلاكها هو الجريمة

ليس خروج المرأة هو الجريمة…. ومن الظلم والسطحية أن نُحمّل تعليم المرأة وعملها وحدهما وزر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *