ليس خروج المرأة جريمة… بل استهلاكها هو الجريمة

ليس خروج المرأة هو الجريمة…. ومن الظلم والسطحية أن نُحمّل تعليم المرأة وعملها وحدهما وزر ما يحدث…

أو أن نجعل كل خروج لها من البيت سقوطا، وكل وجود لها في الحياة العامة إفسادا.

لقد خرجت نساء الصحابة للحاجة، وتعلمن وعلّمن، وبايعن، وتاجرن، وداوين الجرحى، وشهدن شؤون المجتمع….

وكانت السيدة خديجة رضي الله عنها صاحبة مال وتجارة، ولم ينقص استقلالها من أنوثتها، ولم يمنع نجاحها أن تكون سكنا للنبي ﷺ وملاذا له حين اضطرب العالم من حوله….

المشكلة ليست أن المرأة تعمل، بل أن تتحول هي وعملها وجسدها ومشاعرها إلى مادة استهلاك….

وليست المشكلة أن يراها الرجل في السوق أو الجامعة أو المؤسسة؛ بل أن يعتاد النظر إليها بوصفها متعة مؤقتة لا إنسانا له حرمة ومصير…..

كما أن المشكلة ليست في حرية المرأة، بل في تعريف الحرية نفسها…

فالحرية التي تنتهي بأن تصبح المرأة مطالبة بأن تتجمل طوال الوقت، وتعرض حياتها، وتخضع لمقاييس السوق، وتنافس فتيات أصغر منها، وتعيش تحت رحمة التعليقات والإعجابات؛ ليست تحررا كاملًا، بل قد تكون انتقالا من سلطة اجتماعية ظاهرة إلى سلطة تجارية ونفسية أكثر مكرا…

كانوا يقولون للمرأة قديما: اختبئي حتى تكوني محترمة….

ثم قال لها السوق الحديث: انكشفي حتى تكوني موجودة….

وفي الحالتين، لم يسألوها بما يكفي: من أنتِ حين لا يراقبك أحد؟

والمفارقة أن بعض الخطابات وعدت المرأة بأنها كلما عرضت أكثر امتلكت نفسها أكثر، بينما الحقيقة أن الإنسان قد يفقد سيادته على ذاته لحظة يصبح تقديره لنفسه مرهونا بعيون الآخرين.

ليس كل ما يكشف الجسد يحرره، وليس كل ما يستره يصونه؛ فالصيانة في جوهرها وعي وكرامة، ثم يأتي الستر ترجمة لهما، لا قماشا يغطي الجسد بينما تظل النفس تستجدي الأنظار….

الرجل الذي أخذ المجاني… لماذا يدفع ثمن المسؤولية؟

لقد نشأ نموذج من الرجال يريد من المرأة دفء الزوجة من غير عقد، واهتمام الحبيبة من غير وفاء، وإنصات الصديقة من غير التزام، وجمال الأنثى من غير أن يتحمل كلفة بيت أو طفل أو مرض أو شيخوخة…..

يريدها متاحة حين يشتاق، غائبة حين ينشغل، متفهمة حين يختفي، صامتة حين يقصّر، وممتنة لمجرد أنه عاد !

فإذا سألته: إلى أين تمضي هذه العلاقة؟ اتهمها بالضغط وبالنكدية…

وإذا طلبت وعدا واضحا، قال: دعينا نعيش اللحظة….

وإذا خافت على عمرها، قال: لماذا تحولّين الحب إلى حسابات؟

وكأن عمرها لا يُحسب إلا عندما يريد هو الرحيل !

هذا ليس حبا، بل استعمار عاطفي: يحتل الرجل مساحة المرأة، ويستهلك وقتها وحنانها وأعصابها، ثم يرفض رفع العلم فوق الأرض التي استولى عليها….

والمرأة قد تقع في الفخ لأنها تظن أن مزيدا من العطاء سيقنعه بقيمتها…

فتمنحه ما لم يطلبه زوج بعد، على أمل أن يصبح زوجا….

لكنها تكتشف متأخرة أن بعض الرجال لا يتزوجون المرأة التي أعطتهم أكثر؛ بل يمكثون عند المرأة التي وضعت حدّا واضحا وقالت: هذه نفسي، وليست قاعة انتظار.

الإنسان لا يحترم دائما ما يحصل عليه بلا ثمن، والثمن المقصود ليس المال، بل القرار والمسؤولية والوضوح والتضحية.

ومع ذلك، لا يجوز اختزال الخطأ في خبث الرجل وحده؛ فالمرأة التي تعرف أنه لا يريد الزواج، ثم تمنحه امتيازات الزوج وتواصل تفسير غموضه على أنه خوف، وصمته على أنه عمق، واختفاءه على أنه ضغط عمل، تشارك ـ من حيث لا تشعر ـ في تعليم الرجل كيف يستفيد منها من غير أن يختارها.

أحيانا لا يكذب علينا الآخر، ولكننا نضع التشكيل الذي نريده على حروفه الواضحة.

العلاقة ميثاق لا تجربة مجانية…

لم يُسمِّ القرآن الزواج “لحظة حب”، ولا “توافقا وانسجاما وكيميا”، وإنما سماه:

﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]

والميثاق الغليظ لا يقوم على الاستهلاك، بل على الالتزام…

ليس كلمة تقال في ليلة الزفاف، بل قرار بأن يتحمل كل طرف حقيقة الآخر، وأن يصونا السر، ويجبرا الكسر، ويتعاونا حين تنطفئ نشوة البدايات….

قال الله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]

تأملي ترتيب المعاني: سكن، ثم مودة، ثم رحمة….

فالحياة الزوجية ليست حفلة رومانسية طويلة…..

المودة تصلح لأيام القوة والجمال، أما الرحمة فتظهر حين يمرض أحدهما، أو يضعف، أو يتغير جسده، أو تضيق نفسه، أو يعجز عن تقديم النسخة التي أحبها الآخر في البداية.

قد تتراجع حرارة العاطفة يوما، لكن الرحمة تحمل البيت حتى تعود المودة….

ولهذا لم يقل القرآن: وجعل بينكم شغفا دائما؛ لأن الشغف موجة، أما الرحمة فأرض.

وحين قال النبي ﷺ:

“يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج”…

فإنه لم يجعل الزواج سجنا للشهوة، بل طريقا كريما لحفظ الإنسان من أن يتحول إلى آكل للقلوب والأجساد، يتذوق ثم يمضي….

كما قال ﷺ: “خيركم خيركم لأهله”….

لأن الرجولة لا تُقاس بصوت الرجل أمام الغرباء، ولا بعدد النساء اللاتي استطاع اجتذابهن؛ بل بطريقة تعامله مع المرأة التي أغلقت بابها على ضعفه، وائتمنته على قلبها، وربطت مصيرها بمصيره.

وفي المقابل، فإن صلاح المرأة ليس في أن تلغي عقلها وشخصيتها، بل في أن تفهم أن الزواج شراكة أخلاقية لا معركة سيادة….

قال تعالى:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]

آية تختصر ميزانًا كاملا: حقوق تقابلها واجبات، وكرامة يقابلها وفاء، وأخذ لا ينفصل عن العطاء…..

فالمرأة ليست أَمَة للرجل، والرجل ليس موظفا عند رغبات المرأة… وليس أسير حرب..

كلاهما عبد لله، وكلاهما مؤتمن على الآخر…..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حتى السعادة صار عليها أن تقدم أوراق اعتمادها أمام الجمهور!

هناك فقراء يملكون ملايين المتابعين…. فقراء إلى السكينة… فقراء إلى شخص واحد يستطيعون أن يسقطوا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *