حتى السعادة صار عليها أن تقدم أوراق اعتمادها أمام الجمهور!

هناك فقراء يملكون ملايين المتابعين….

فقراء إلى السكينة…

فقراء إلى شخص واحد يستطيعون أن يسقطوا أمامه القناع….

فقراء إلى صباح لا يبدأ بالسؤال: ماذا قالوا عني؟

وإلى مساء لا ينتهي بتفقد عدد الذين أعجبوا بما فعلت….

وحين يصبح إعجاب الآخرين وقودكَ النفسي، تقع في مأزق قاسٍ: تحتاج في كل مرة إلى جرعة أكبر…..

لقد أقنعنا هذا العصر بخديعة شديدة الذكاء: أن ما لا يُرى لا قيمة له….

إنجاز لم تُصوّره كأنه لم يحدث…

رحلة لم تنشرها كأنك لم تسافر…

كتاب قرأته ولم تتحدث عنه كأنك لم تقرأ…

خير فعلته ولم يعرف به أحد كأنه لم يقع…

وحياة هادئة لا يتابع تفاصيلها الآلاف كأنها حياة ناقصة…

ما كان يسعدك حين صفق لك مائة، لن يكفي حين يصبحون ألفا…

وما كان يملؤك حين وصلت إلى عشرة آلاف، سيبدو ضئيلا عندما ترى غيرك عند المليون….

وهنا تتحول الحياة من تجربة تُعاش إلى سباق لا خط نهاية له….

وهذا قريب مما وصفه علماء النفس بمفهوم التكيّف اللذّي؛ فالإنسان يعتاد المكاسب بسرعة، ثم يعود مستوى الرضا لديه إلى نقطة قريبة مما كان عليه، فيحتاج إلى مكسب جديد كي يستعيد النشوة القديمة…..

ولهذا ليست المشكلة أنك لم تصل….

المشكلة أن الطريق المصمم على المقارنة لا يحتوي أصلا على محطة اسمها: وصلت….

تأمل غرابة زماننا:

قد يجلس رجل في بيته، أمامه زوجة تحبه، وأطفال ينتظرون حديثه، وصحة تسمح له بالمشي، وبيت يستره، وطعام يكفيه، وليل يستطيع أن ينام فيه آمنً؛ ثم يفتح هاتفه فيرى رجلا أكثر ثراء، وآخر أكثر شهرة، وثالثا في بلد أجمل، ورابعا أصغر منه سنا وأكثر نجاحا…

فيغلق الهاتف وهو يشعر أن حياته بائسة….

لم تُسلب منه نعمة واحدة….

كل ما حدث أن المقارنة سرقت قدرته على رؤيتها…..

ولذلك فإن قول النبي ﷺ: “انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم”….

ليس مجرد توجيه وعظي إلى القناعة، بل يحمل فهما عميقا للطبيعة البشرية: أن الإنسان إذا جعل عينه باستمرار على ما ينقصه، فقد القدرة على تذوق ما يملكه.

المقارنة لا تغيّر واقعك بالضرورة؛ لكنها تغيّر تفسيرك لواقعك….

وقد يعيش إنسان في نعمة عظيمة وهو يشعر بالفقر، لأن عينيه معلقتان بمائدة غيره.

ولكن … النجاح الحقيقي أهدأ بكثير مما علمونا….

قد يكون نجاحك أنك أصبحت تنام دون خصومة مع نفسك.

أن استطعت أن تقول “لا” لما يهينك، بعدما أمضيت سنوات تقول “نعم” خوفا من خسارة الناس….

أن تربي طفلا سويّا لا يعرف العالم اسمك ولا اسمه….

أن تحافظ على أمٍّ وأب، أو صديق قديم، أو زوجة تعرف ضعفك ولا تستخدمه ضدك.

أن تتخلص من عادة كانت تأكلك سرّا….

أن تقرأ كل يوم عشر صفحات….

أن تمشي ساعة…

أن تصلي ركعتين لا يعلم بهما أحد…

أن تكسب مالا حلالا يكفيك فلا تضطر أن تنحني لخلق الله….

أن تصبح في الخمسين أكثر سلاما مما كنت في الثلاثين، وأكثر رحمة، وأقل رغبة في إثبات نفسك….

هذه انتصارات لا تصعد غالبا إلى قوائم الترند….

لكنها تصنع الإنسان الذي يستطيع أن يعيش عندما ينطفئ الترند كله…

وقد لخّص القرآن هذا التحول من الخارج إلى الداخل في معيار مدهش:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾….

لم يقل: قد أفلح من شهّرها، أو أغناها، أو جعل الناس يتحدثون عنها.

بل: زكّاها….

لأن أعظم مشروع تتسلمه في هذه الدنيا ليس صورتك أمام الناس، بل نفسك التي ستعيش داخلها حتى آخر لحظة…..

ثم إننا نبالغ كثيرا في تقدير الحشود، ونقلل كثيرا من قيمة الإنسان الواحد…

قد يعرفك مليون شخص ولا يعرفك أحد.

يعرفون رأيك، ولا يعرفون خوفك…

يعرفون صورتك، ولا يعرفون كسرك….

يعرفون أجمل جملة كتبتها، ولا يعرفون الليلة التي كتبتها فيها وأنت تكاد تنهار.

ولهذا قد يكون امتلاك إنسان واحد يفهم لغتك الداخلية ثروةً لا يعوضها جمهور كامل.

شخص لا تحتاج أمامه إلى الأداء او التمثييل او الاستعراض..

لا تشرح له صمتك كل مرة…

لا تخاف أن يراك ضعيفا ..

لا تحتاج أن تبهره كي يبقى….

هذا الإنسان ليس “مُتابعًا”. … إنه وطن صغير.

وأحيانًا تكون مأساة المشهور أنه يستطيع أن يصل إلى ملايين البشر، لكنه حين يسقط لا يعرف بمن يتصل….

فما قيمة أن يعرفك العالم كله إذا لم تجد عند الثالثة فجرا شخصا واحدا تستطيع أن تقول له: أنا لست بخير؟

لكن هناك خدعة أخرى لا تقل خطورة: الاعتقاد بأن السعادة تعني غياب الألم.

وهذا مستحيل….

الحياة ليست مقطوعة موسيقية من النغمات المُبهجة فقط؛ ولو كانت كذلك لما كانت موسيقى أصلا.

الجمال نفسه يحتاج إلى اختلاف النغمات.

والنور لا يُرى كما ينبغي إلا لأننا عرفنا العتمة.

والراحة لا تصبح نعمة إلا بعد التعب…

واللقاء يكتسب شيئا من قيمته لأن الفراق ممكن….

حتى الإنسان الذي تحبه بهذا العمق، جزء من قيمة وجوده أنك تعرف في أعماقك أنه ليس خالدا…

الألم إذن ليس دائما نقيض الحياة….

الألم جزء من ثمن أن تكون حيّا…

من يحب يمكن أن يُفجع….

من يحاول يمكن أن يفشل….

من يثق يمكن أن يُخذل….

من يبني يمكن أن يخسر….

ومن يريد حياة بلا احتمال للألم، يطلب في الحقيقة حياة بلا حب، ولا مغامرة، ولا تجربة، ولا تعلق، ولا معنى….

إنه يريد الأمان الكامل، والأمان الكامل لا يوجد إلا في الأشياء التي لا تعيش…

وهنا يكمن الفرق بين السعادة والمتعة….

المتعة لحظة…. أما السعادة الناضجة فهي بنية داخلية.

قد تكون حزينا وأنت سعيد بحياتك…..

قد تبكي على ميت، وتتألم من خيانة، وتخاف على مستقبل، وتواجه مرضا أو خسارة أو قسوة، ومع ذلك لا تعتبر وجودك كله مأساة.

لأن الألم أصبح فصلا من الكتاب، لا عنوان الكتاب كله….

وهذه من أعمق أخطاء عصرنا: أنه أقنع الإنسان بأن كل شعور سيئ دليل على أن حياته سيئة….

مع أن بعض أجمل الأشياء في الدنيا مؤلمة….

الولادة مؤلمة…

التغيير مؤلم….

الانضباط مؤلم….

الاعتذار مؤلم…..

مغادرة علاقة مدمرة مؤلمة….

قول الحقيقة أحيانا مؤلم…..

ومواجهة نفسك بعد سنوات من الهروب ربما تكون أشد ألما من مواجهة عدو….

لكن الألم هنا ليس علامة على أنك تسير في الاتجاه الخطأ….

أحيانا يكون الألم ضريبة الاتجاه الصحيح….

وقد أدرك فيكتور فرانكل، الذي خرج من معسكرات الاعتقال النازية، حقيقة شديدة القسوة والجمال: أن الإنسان لا يستطيع دائمًا اختيار ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يبحث عن معنى لموقفه مما يحدث…..

ولذلك ليست الحياة الطيبة هي الحياة التي نجت من المآسي.

بل الحياة التي لم تسمح للمأساة بأن تكون تعريفها النهائي.

شجرة ضربتها الرياح ليست شجرة فاشلة…

البحر الذي تعصف به العاصفة ليس بحرا بائسا…

والإنسان الذي مرّت به سنوات ثقيلة ليس بالضرورة إنسانا تعيسا…

ربما كانت تلك السنوات هي التي أعطت روحه عمقها…..

فالألماس لا يشبه الفحم لأن أحدهما عاش حياة أسهل؛ بل لأن الضغط أعاد تشكيله.

والندبة ليست دائما قبحا في الجسد؛ أحيانا هي توقيع المعركة التي لم تقتلك.

لهذا لا تجعل مشروع حياتك أن تكون مثيرا لإعجاب الناس…

اجعل مشروعك أن تكون حياتك جديرة بأن تُعاش حتى لو لم يشاهدها أحد.

اسأل نفسك أسئلة أكثر خطورة من:

كم شخصا يتابعني؟

اسأل:

كم شخصًا أستطيع أن أثق به؟

هل أحب البيت الذي أعود إليه؟

هل أستطيع الجلوس وحدي دون أن أهرب إلى هاتفي؟

هل جسدي أمانة أحسن رعايتها؟

هل ما أفعله كل يوم يشبه الإنسان الذي أريد أن أصبحه؟

هل لدي شيء أفعله لأنني أحبه، لا لأن الناس سيصفقون له؟

هل ازددت رحمة وحكمة خلال السنوات الماضية، أم ازددت فقط شهرةً ومالًا؟

والسؤال الأشد قسوة:

لو اختفى الجمهور غدا، فكم سيبقى من حياتي يستحق أن أستيقظ من أجله؟

هنا يظهر رصيدك الحقيقي….

في النهاية، نحن نخطئ حين نتخيل أن الحياة العظيمة يجب أن تكون صاخبة.

بعض أعظم الحيوات مرت بهدوء.

أناس لم تتصدر أسماؤهم الصحف، لكنهم ربّوا أبناء صالحين…

نساء لم يعرفهن التاريخ، لكن بيوتًا كاملة بقيت متماسكة بسبب حكمتهن.

معلم قال كلمة لطفل فنقل مسار حياته ولم يعرف أبدًا ماذا صنعت كلمته.

طبيب خفف ألم مريض ثم عاد إلى منزله دون كاميرات.

رجل رفض مالًا حرامًا ولم يعلم أحد بانتصاره.

امرأة غفرت وهي قادرة على الانتقام.

إنسان أغلق هاتفه وجلس إلى جوار أبيه العجوز يسمع القصة نفسها للمرة العشرين، لكنه استمع كأنها الأولى….

هذه أيضا بطولة…..

لكنها بطولة بلا موسيقى تصويرية…..

لا بأس أن تنجح، وأن تصبح مشهورا، وأن يتابعك الملايين، وأن تجمع المال، وأن يكون لك أثر واسع….

كل ذلك جميل إذا جاء إضافة إلى حياتك، لا بديلا عنها.

امتلك الأشياء، لكن لا تسمح لها أن تمتلك تعريفك لنفسك…

استمتع بالتصفيق، لكن تعلّم كيف تعيش عندما يصمت المسرح….

افرح بمن يحب ما تكتب، لكن لا تجعل قلبك صندوق اقتراع…..

واسعَ إلى القمة إن شئت، لكن تأكد قبل الصعود أن هناك في الأعلى شيئا يستحق الوصول إليه….

فأقسى الخسارات ليست أن تفشل في بلوغ القمة….

بل أن تصل إليها بعد عمر كامل، ثم تنظر حولك فلا تجد من تحب، ولا تجد نفسك، ولا تعرف لماذا صعدت أصلا.

السعادة أعمق من النشوة….

وأهدأ من الشهرة….

وأقل بهرجة من الصور التي نعرضها للناس….

إنها أشبه بموسيقى خافتة تسكن خلفية الروح؛ لا تمنع أصوات المعارك، لكنها تمنعها من أن تصبح الصوت الوحيد.

ستحزن….

ستخسر….

سيخذلُك بشر….

ستموت أحلامٌ لك وتولد أخرى…

ستأتي أيام تشعر فيها أن الحياة وضعت كامل ثقلها فوق صدرك.

لكن هذا كله لا يجعل حياتك بائسة…

فالليل ليس خطأً في تصميم اليوم….

والشتاء ليس فشلا للطبيعة….

والصمت ليس عجزا في الموسيقى….

وكذلك الألم ليس دائما خللا في الحياة….

بعض النغمات لا تكون جميلة منفردة، لكنها حين توضع في مكانها الصحيح تجعل المقطوعة كلها أكثر عمقا….

فلا تبحث عن حياة بلا ألم؛ ابحث عن حياة يستحق معناها ألمها….

ولا تبحث عن عالم كامل يفهمك؛ يكفي أحيانا قلب واحد لا تضطر أمامه إلى الترجمة…..

ولا تبحث عن أن يراك الجميع ناجحا؛ ابحث عن تلك اللحظة النادرة التي تغلق فيها الباب، وتنطفئ الشاشات، ويصمت الناس، وتبقى وحدك مع نفسك…

ثم لا تشعر أنك خسرت الجمهور….

بل تشعر أنك، أخيرا، وجدت الإنسان الذي كان ينبغي ألا تخسره منذ البداية: أنت…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

ليس خروج المرأة جريمة… بل استهلاكها هو الجريمة

ليس خروج المرأة هو الجريمة…. ومن الظلم والسطحية أن نُحمّل تعليم المرأة وعملها وحدهما وزر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *