المروءة من تمام الرجولة، لكن الرجولة عند أهل المروءة ليست في خشونة الصوت، ولا في القدرة على البطش، ولا في فرض السيطرة على الأضعف…
الرجولة في ميزان المروءة “قدرةٌ تتحول إلى مسؤولية، وقوةٌ يمنعها الشرف من الظلم”…
ليس رجلا من يُرعب امرأة ثم يتحدث عن الهيبة، ولا من يذلّ عاملا لأنه يحتاج راتبه، ولا من يتسلط على أهل بيته ثم يتجمّل أمام الناس، ولا من يترك ضعيفا حمله ثقته ثم يفاخر بأنه انتصر.
البهيمة أيضا تملك القوة والغريزة والدفاع عن الحوزة؛ أما ما يميّز الإنسان فهو قدرته على تهذيب قوته ووضعها تحت حكم المعنى… أي إن القوة والغريزة مشتركتان بين الإنسان والحيوان، لكن إنسانية المرء تظهر حين يضبط قوته بالعقل والأخلاق، فلا يفعل كل ما يقدر عليه، بل ما يليق به….
ولهذا فالمروءة ليست امتيازا بيولوجيا يحتكره الرجال، وإنما قيمة إنسانية؛ لكنها حين تُنسب إلى الرجولة تعني أن الرجل لا يكتمل بمجرد بلوغه، بل “يكتمل حين تصبح قوته أمانا لمن حوله لا تهديدا لهم.
فكم من رجل قوي الجسد هزمته شهوة صغيرة، وكم من إنسان بسيط لا يملك سلطانا لكنه وقف في موضع الإغراء شامخا؛ لأن شرف النفس فيه كان أكبر من الثمن المعروض عليه.
وكما تكون المروءة في الأفراد تكون في المؤسسات والدول…..
من مروءة الدولة ألّا تستقوي بقانونها على ضعيف، وألّا تجعل كرامة المواطن منحة قابلة للسحب، وألّا تنسى من خدموها عندما يشيخون أو يمرضون….
ومن مروءة المجتمع ألّا يصفق للناجح ثم يتخلى عنه عند أول عثرة، وألّا يلتهم سمعة إنسان لمجرد أن الخبر ممتع، وألّا يقيس قيمة المرء بحجم ماله أو منصبه.
المجتمعات لا تنهار فقط حين يكثر فيها المجرمون؛ بل حين يصبح أصحاب المروءة متفرجين، وحين يعرف الناس الحق لكنهم يصمتون خوفا على مصالحهم، وحين يحتاج الكريم إلى من يجبر عثرته فلا يجد إلا من يصوّر سقوطه.
وقد يبلغ المجتمع درجة من الفقر الأخلاقي يصبح فيها المحتاج مادة للمحتوى، والمنكوب فرصة للاستعراض، والعطاء إعلانا عن المُعطي بدل أن يكون سترا للآخذ…..
أما المروءة فتقتضي أن تعطي بطريقة تحفظ وجه المحتاج، وأن تنصر المظلوم دون أن تسرق قصته، وأن تجبر العثرة دون أن تجعل المكسور مدينا لك طوال حياته.
وقد وصف القرآن قمة هذا السمو بقوله:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ …
إنه لا يمدح فائض المال، بل فائض النفس؛ فالذي يعطي مما زاد عنده كريم، أما الذي يرى حاجة غيره وهو محتاج ثم لا تسمح له مروءته أن يتجاهله، فقد ارتقى إلى مقام آخر….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة