حين لا تحتاج إلى شرطيٍّ يمنعك أو جمهورٍ يراقبك.. أو قانونٍ يعاقبك..
حين تمتلك القدرة على الإساءة ثم تترفّع…
وحين تجد باب الانتقام مفتوحا فتغلقه…
وحين تعرف عيبا مستورا في خصمك فلا تتخذه سلاحا …
وحين تختلف مع إنسان دون أن تستبيح كرامته…
وحين تغلبك حاجتك فلا تبيع نفسك ويغريك نفوذك فلا تشتري الآخرين.
حين تنتصر على النسخة الوضيعة منك …
عرّفها أهل الأخلاق بأنها استعمال ما يُجمّل الإنسان ويزينه، واجتناب ما يدنّسه ويُشينه؛ سواء تعلّق أثره به وحده أم تعدّاه إلى غيره. …
هي ليست فعلا واحدا، بل بنية نفسية كاملة: عقلٌ يضبط الشهوة، وضميرٌ يراقب القوة، ونفسٌ تأبى أن تنال غاياتها بوسائل لا تليق بها….
عن المروءة التي اعتزلت مضارب وبيوت بعض القوم أتحدث !
كل إنسان قد يضعف؛ فقد يغضب، أو يخطئ، أو تضيق به نفسه، أو يقول في لحظة انفعال ما لا يليق،،،
لكن الفارق بين صاحب المروءة وغيره ليس أن الأول معصوم من الزلل، بل أن الزلل يؤلمه، وأن ضميره لا يسمح له بتحويل الخطأ إلى عادة، ولا الدناءة إلى وجهة نظر، ولا الظلم إلى “رد فعل طبيعي”….
أما أخطر مراحل السقوط فهي ألّا يعود القبح قبيحا في عين صاحبه؛ أن يعتاد الكذب حتى يسميه دهاء، والخيانة حتى يسميها مصلحة، والتشفّي حتى يسميه عدالة، والوقاحة حتى يسميها صراحة، والتجسس حتى يسميه حرصا، وإهانة الناس حتى يسميها قوة شخصية….
وهنا نفهم دلالة الحديث النبوي العميق:
«إنَّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت».
فالحياء هنا ليس خوفا اجتماعيا من كلام الناس، بل هو:
“آخر حارس يقف بين الإنسان وبين تحوّله إلى كائن تحكمه الرغبة وحدها”
فإذا مات هذا الحارس، لم يعد السؤال: ماذا يليق؟
بل أصبح: ماذا أستطيع أن أفعل دون أن أُعاقَب؟
وصاحب المروءة لا يسأل فقط: هل هذا جائز قانونا؟ بل يسأل أيضا:
هل يليق بي هذا؟
ولا يسأل: هل أستطيع الإفلات؟
بل: هل أستطيع مواجهة نفسي بعد هذا؟
من السهل أن تكون كريما حين لا يكلّفك الكرم شيئا..
وعادلا حين يكون الحق في صفك،،،
وهادئا حين لا يستفزك أحد،،،
ووفيّا حين تكون العلاقات نافعة..
لكن الأخلاق لا تُختبر في ظروف الراحة؛ إنها تبدأ لحظة يصبح فيها الوفاء مكلفا، والعفو شاقا، والصدق مهددا للمصلحة.
لهذا لا تُقاس المروءة بما يقوله الإنسان عن نفسه، بل بما يرفض فعله حين يكون قادرا عليه.
قد يقدر على فضح سرٍّ، لكنه يستره….
وقد يملك وثيقة تدين خصمه، لكنه لا ينشر منها ما يمسّ أهله أو حياته الخاصة.
وقد تنتهي علاقة، فلا يحوّل تاريخ المودة إلى ملف ابتزاز….
وقد يسقط مُنافسه، فلا يركلهُ وهو على الأرض….
وقد يحتاج إليه من أساء إليه، فيفصل بين عدالة الحساب وشماتة النفس…
ليس صاحب المروءة ضعيفا؛ بل هو قوي إلى درجة أنه لا يحتاج إلى إذلال غيره ليثبت قوته….
*الانتقام الأعمى يجعل خصمك شريكا في صناعة أخلاقك؛ لأنه يدفعك إلى أن تصبح شبيها به….
وكما قال أحدهم : خير انتقام هو ألّا تصبح شبيها بمن أساء إليك…
فليس الانتصار الحقيقي أن تُنزِل خصمك إلى القاع، بل أن ترفض النزول إليه. وقد سبق القرآن الفلسفات كلها إلى هذا المعنى حين جعل امتحان العدالة الحقيقي مع من نبغض، لا مع من نحب:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾..
لم يقل: اعدلوا مع من أحسن إليكم؛ فهذا يسير…
بل نهاكم أن يدفعكم بغض قوم إلى ترك العدل….
لأن الإنسان لا يُختبر أخلاقيا في موقفه من حبيبه، بل في موقفه من خصمه.
وعلو الهمة وشرف النفس أصل كل مروءة ..
أن تكون مطالب الإنسان أكبر من لذائذه العاجلة.. فلا يبيع سمعته من أجل انتصار لحظي…
ولا يخسر نفسه ليكسب جدالا.. ولا يطلب مكانته من هدم مكانة غيره…
صاحب الهمة العالية مشغول بالبناء، ولذلك يضيق وقته عن الصغائر؛ أما صاحب النفس الصغيرة فيعيش مترصدا، يفتش عن زلات الناس لأن إنجازه الوحيد هو العثور على نقص في غيره….
وشرف النفس ألا تجعل حاجتك سببا للذل، ولا قدرتك بابا لإذلال المحتاج…
أن تقبل المعروف دون أن تتحول إلى تابع، وأن تصنع المعروف دون أن تُحوّل العطاء إلى قيد حول رقاب الناس.
النفوس الشريفة لا تمنّ بما أعطت، ولا تذكّر الناس بأيام ضعفهم، ولا تستخدم أسرار القرب بعد الخصومة…
إنها تعرف أن بعض الانتصارات هزائم أخلاقية؛ فقد تربح المعركة وتخسر صورتك في عين نفسك، وقد تُسكت إنسانا بالحجة أو السلطة، لكنك تعلم في داخلك أنك لم تكن نبيلا….
ماذا عن ميدان الاختبار ؟!
كانت المروءة قديما تُختبر في السوق والمجلس والطريق؛ أما اليوم فتُختبر كل دقيقة أمام شاشة.
المروءة الرقمية :
لقد منحت وسائل التواصل الإنسان قوة لم يعرفها من قبل: يستطيع أن يهدم سمعة في دقائق، وأن يقتطع كلاما من سياقه، وأن يدفع الآلاف إلى مهاجمة شخص لم يقابلوه، ثم يغلق هاتفه ويتناول قهوته كأن شيئًا لم يحدث.
في علم النفس يُسمى “الانفلات أو زوال الكوابح عبر الإنترنت”؛ فالاختفاء خلف الشاشة، وغياب نظرات الضحية ورد فعلها المباشر، وتأخر العواقب، تجعل بعض الناس يقولون ويفعلون ما كانوا سيخجلون منه لو وقف الإنسان أمامهم وجها لوجه….
وقد شرح عالم النفس جون سولر هذه الظاهرة، مبينًا كيف يمكن للخفاء والمسافة النفسية أن يضعفا ضبط السلوك….
لكن المروءة الرقمية تعني أن تتذكر أن الحساب الذي تهاجمه إنسان، وأن الصورة التي تسخر منها وراءها قلب، وأن الخطأ الذي تتداوله قد يدفع ثمنه أطفال وأسرة وحياة كاملة.
ليس كل ما يصح نشره يجب نشره، وليس كل ما تعرفه يحق لك كشفه، وليس كل من أخطأ يستحق أن يتحول إلى وليمة عامة.
إن الحضارة لا تظهر فقط في اتساع حرية الكلام، بل في مقدار ما يضعه الإنسان لنفسه من قيود أخلاقية وهو يمارس هذه الحرية…..
كيف يصنع الإنسان تبريرا لدناءته وقلّة أخلاقه؟
يشرح علم النفس مفهوم “الانفصال الأخلاقي”، وهو الآلية التي يعطّل بها الإنسان رقابة ضميره دون أن يعترف لنفسه بأنه سيئ….
لا يقول الظالم: أنا أظلم؛ بل يقول: هو يستحق….
ولا يقول ناشر الإشاعة: أنا أؤذي؛ بل يقول: الناس يجب أن تعرف…
ولا يقول المُتشفّي: أنا قاسٍ؛ بل يقول: هذه عدالة السماء….
ولا يقول الخائن: خنتْ؛ بل يقول: الظروف أجبرتني….
هكذا يُعيد الإنسان تسمية القبح حتى يستطيع ارتكابه وهو محتفظ بصورة جميلة عن نفسه.
وما أكثر ما يحدث ذلك في الصراعات السياسية والفكرية:
يصبح الكذب مباحا لأن الخصم “عدو”،،،
وتتحول الشتيمة إلى بطولة لأنها موجهة إلى الطرف الآخر الذي ليس منّا ..
والأخطر أن يتم اعتبار الافتراء وتكراره بصوت عالٍ في مواقع التواصل الاجتماعي او في منابر الاعتصام والحشود بمثابة خدمة للقضية…لكن القضية التي تحتاج إلى سقوط أخلاق أصحابها لكي تنتصر ليست قضية انتصرت؛ إنها “هزمت أصحابها أولا”…
ولا بارك الله بقضية لا نصر لها الا بالكذب والدجل والافتراء..
ليس من المروءة أن ترفض الظلم حين يقع عليك ثم تبرره حين يقع على خصمك….
ولا أن تطالب بحرية صوتك ثم تحتفل بإسكات من يخالفك….
ولا أن تستنكر التشهير بأهلك ثم تشارك في التشهير بعائلات الآخرين.
المبدأ الذي يتغير بتغير الضحية ليس مبدأ؛ إنه مصلحة ترتدي ثياب الأخلاق.
المروءة لا تمنعك من المواجهة، لكنها تمنعك من الفجور فيها…
ولا تمنعك من استرداد حقك، لكنها تمنعك من أخذ ما يزيد عليه….
ولا تمنعك من كشف جريمة، لكنها تمنعك من تلويث الأبرياء بها…..
ولا تطلب منك أن تثق بالخائن مرة أخرى، لكنها تمنعك من أن تصبح خائنا مثله…
قال النبي عليه الصلاة وأتمّ التسليم:
“أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك”…
إنها قاعدة مدهشة في تحرير الأخلاق من ردود الأفعال: خيانة غيرك لا تمنحك ترخيصا بالخيانة….
فأنت لا تكون أمينا لأن الناس جميعا أُمناء، بل لأن الأمانة جزء من تعريفك لنفسك….
العفو أيضا ليس إلغاء للعدالة؛ فقد يكون الحساب ضرورة لحماية المجتمع…
لكن الفارق كبير بين عدالة تريد إيقاف الشر، ونفس تريد التلذذ بعذاب صاحبها. الأولى مسؤولية، والثانية شهوة ترتدي ثوب الحق….
قد لا تتاح للإنسان بطولة كبرى طوال حياته، لكن المروءة تعرض عليه نفسها كل يوم في صور صغيرة:
أن تردّ التحية ممن تختلف معه…
أن تحفظ فضل من انتهت علاقتك به.
أن تنسب الفكرة إلى صاحبها.
أن تدفع أجر العامل قبل أن يطالبك.
أن تعتذر لمن هو أضعف منك.
أن تفرح لنجاح لا نصيب لك فيه.
أن تستر ارتباك إنسان في مجلس بدل أن تحوّله إلى نكتة.
أن تدافع عن غائب لا يرجى منك مكافأة.
أن تعيد مالا لن يكتشف أحد أنك أخذته.
وأن تكفّ أذاك حين تكون قادرا على إيصاله.
فالأخلاق الكبيرة لا تنشأ فجأة في المواقف الكبيرة؛ إنها حصيلة اختيارات صغيرة تكررت حتى أصبحت طبعًا.
في نهاية الطريق، لن يُذكر الإنسان بكل ما جمع، بل بما كانه حين امتلك، وبما فعله حين قدر، وبما حفظه حين اؤتمن، وبمن سترهم حين عرف خباياهم، وبمن أقامهم حين تعثروا.
سيزول المنصب الذي أغراه، ويفنى المال الذي خاصم من أجله، وينفضّ الجمهور الذي صفق له، ثم يبقى في سيرته سؤال واحد:
هل كان كريم النفس حين كان يستطيع أن يكون وضيعا خسيسا؟!
المروءة ألا تحتاج إلى شاهد كي تكون نبيلاً.
أن يكون لك في الخفاء خُلُق يشبه خُلُقك في العلن….
أن تحمي إنسانيتك من الغضب، ومبادئك من المصلحة، ولسانك من لذة الإيذاء.
أن تعرف أن بعض الأبواب إذا دخلتها خرجت منها بما تريد، لكنك لا تخرج منها بالإنسان نفسه الذي دخل….
فليس كل قادر عظيما، ولا كل منتصر شريفا، ولا كل غني كريما، ولا كل مشهور ذا قيمة….
إنما العظيم من كانت نفسه أكبر من شهوته، وكان شرفه أعلى من مصلحته، وكانت أخلاقه أقوى من غضبه.
وإذا أردنا للمروءة تعريفا يختصر كل ذلك، فهي:
أن تفعل الجميل لأنه يشبهك، وتترك القبيح لا لأن الناس يرونك، بل لأنك أنت تراه وتستقحبه؛ وأن تظل إنسانا حين تمنحك الحياة كل الأسباب لتتحول إلى شيء آخر..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة