يُمزّقني أن يبلغني خبرُ رجلٍ من رجال قريتي، خدم بلده أعواما، وحمل من أعباء الوظيفة والمسؤولية ما حمل، ثم انتهى به العمر إلى ضيقٍ لا يليق بتاريخه، وحاجةٍ لا تشبه ما قدّمه….
ويُمزّقني أكثر أن أعرف أنه حاول الوصول إليّ، أو سأل عني، أو قصدني مترددا؛ ظنًّا منه أن لديّ واسطة تفتح بابا أُغلق في وجهه، أو قدرة مالية تخفف عنه بعض ما نزل به، بينما أقف أمام ظنّه الكبير بيدٍ أقصر من حاجته، وقلبٍ لا يملك إلا أن يتألم….
ليست كل الآلام مما يُرى، وليس أقساها الجوع أو الدَّين وحدهما؛ فقد يكون أشدَّ من الحاجة أن يُضطر الكريم إلى إعلانها، وأن يقف الرجل الذي اعتاد أن يكون موضع اعتمادٍ في موضع المُستعين…
فالحاجة عند بعض الناس لا تؤلم الجيب فقط، بل تهزّ الصورة التي بنوها لأنفسهم طوال عمرهم: صورة القادر، والسند، وصاحب اليد العليا…
ولهذا يتردد الكريم طويلا قبل أن يطرق بابا، ويختصر شكواه، ويخفي معظم وجعه، وقد يطلب أقل مما يحتاج؛ لأنه لا يفاوض على مال، بل يحاول أن ينقذ ما بقي من كرامته…..
هنا أتذكّر المعنى النبيل الذي عاش في ضميرنا تحت اسم:
“جبر عثرات الكرام”….
والجبر في العربية ليس مجرد إعطاء؛ إنه إصلاحٌ لما انكسر، وردٌّ للشيء إلى استقامته…..
ولهذا كان من أسماء الله الحسنى “الجبّار”: الذي يجبر كسر عباده، ويغني فقيرهم، ويرحم ضعفهم….
ما أحوجنا إلى أن نتخلّق من هذا المعنى بما يليق بالبشر: أن نُعين من غير أن نفضح، وأن نسند من غير أن نُمارس الإذلال، وأن نصل إلى المُتعفف قبل أن تُكرهه الحاجة على الوصول إلينا.
لقد وصف القرآن هؤلاء وصفا كأنه كُتب لكل كريم أخفى فاقته خلف صمته:
“يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا”
لم يقل إنهم لا يحتاجون، بل هُم أتقنوا ستر حاجتهم حتى ظنهم من لا يعرف عن حقيقة أمرهم بأنهم أغنياء….
وجعل الشرع للمال وظيفة أخلاقية تتجاوز التملك، فقال تعالى:
﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
وقال:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ ..
فكيف إذا اجتمع في الرجل تعفف المحتاج وسابقة الخدمة؟
وكيف إذا كان الذين ضاقت بهم الحال ممن اتسعت بأكتافهم مؤسسات البلد يوما؟
وفي الحديث النبوي الشريف:
«مَن نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة».
ولم يقل عليه الصلاة والسلام: من ألقى إليه مالا فحسب؛ فتنفيس الكربة قد يكون وظيفة تحفظ ماء وجهه، أو علاجا، أو سداد دَين، أو اتصالا بصاحب قرار، أو دفاعا عن حق، أو إصغاء صادقا يردّ إليه شعوره بأنه لم يصبح فائضا عن حاجة الوطن والمجتمع.
إن علم النفس يعلّمنا أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج كذلك إلى الشعور بالقيمة والقدرة والانتماء…..
وعندما ينتقل رجلٌ بعد عقودٍ من العطاء من موقع الفاعل إلى موقع الطالب، لا يخسر دخله فقط؛ قد يخسر شيئا من تعريفه لنفسه.
لذلك فإن المساعدة الخشنة قد تسدّ عوزه وتعمّق جرحه في آنٍ واحد….
قد تعطيه مالا، لكنها تأخذ منه احترامه لذاته إذا صاحبها مَنٌّ أو تصوير أو تشهير أو تذكير دائم بالفضل…. ولهذا قال الله تعالى:
﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾….
إنها قاعدة نفسية وأخلاقية كاملة: ليس المهم فقط ماذا تعطي، بل كيف تعطي، وما الذي يبقى في نفس الآخذ بعد عطائك….
المروءة ليست أن تساعد من يملك لسانا جهوريا يطالب به، بل أن تفهم صمت من لا يستطيع السؤال….
وليست أن تجمع المحتاجين في طابورٍ أمام عدسات الهواتف، بل أن تقصد أبوابهم في ستر واحترام….
وليست أن تُحوّل ضعف إنسانٍ إلى إعلانٍ عن فضلك، بل أن تمحو أثر يدك من المشهد ليبقى أثر المعروف وحده.
فما كل صدقةٍ جبر، وما كل مساعدةٍ رحمة؛ فقد تُشبع إنسانا وتهينه، وقد تقضي حاجته وتكسر قلبه…
أما الإحسان الحق فهو الذي يعيد للإنسان قدرته على الوقوف، ثم ينسحب بهدوء كأنه لم يفعل شيئا…
وهؤلاء الرجال لا يحتاجون إلى الشفقة….
فالشفقة تنظر إليهم من أعلى، أما الوفاء فيقف أمامهم باحترام.
إنهم لا يطلبون صدقةً على تاريخهم، بل يُذكّروننا بدَينٍ أخلاقي تجاه من منحوا أعمارهم للبلد، ثم وجدوا أنفسهم في آخر الطريق وحدهم.
والأوطان لا تُقاس فقط بكيف تكرّم كبارها وهم في مواقعهم، بل بكيف تحفظهم بعدما تغيب عن أكتافهم الرتب، وعن أسمائهم الألقاب، وعن مكاتبهم السلطة.
فمن السهل أن تحيط صاحب المنصب بالتقدير؛ أما الامتحان الحقيقي فهو: هل يبقى له من احترامنا شيء حين لا يعود قادرًا على نفعنا؟
وأقولها بصدقٍ موجع:
حين يقصدني أحد أبناء قومي في القريب او من دول أخرى ظانًّا أن لديّ ما يُنقذه، أشعر بثقل عجزٍ لا يعرفه إلا من رأى يدا تمتد إليه ولم يجد في يده ما يكفي.
أتمنى لو كنت أملك لكل مريض علاجه، ولكل مدين فرجه، ولكل صاحب حق بابا لا يُغلق…. لكنني لا أملك ذلك كله….
وما أملكه هو ألا أصمت عنهم، وألا أسمح لأسمائهم وسيرهم أن تتحول إلى حكايات خافتة تتناقلها المجالس ثم تُنسى.
ولعل المسؤولية هنا لا تقع على فرد واحد، ولا تُحلّ بمبادرات موسمية؛ بل تحتاج إلى ضمير مؤسسي يحفظ للناس كرامتهم:
صندوقٌ شفاف لجبر عثرات أهل العطاء،
وشبكةٌ من أبناء القرية أو الحيّ والقادرين فيها،
وأبوابٌ للعلاج والعمل وتسوية الديون،
ولجنةٌ أمينة تعرف المحتاج من غير أن تجرّه إلى مذلة الإثبات العلني.
فالمعروف حين ينتظم يصبح عدلا، والتكافل حين يُصان من المزاج والمنّة يصبح حضارة.
يا أبناء قريتي الكرام، يا أصحاب القدرة والمكانة، يا من فتح الله لكم بابا من مال أو جاهٍ أو صلة:
بيننا رجالٌ لا يريدون كثيرا؛ يريدون فقط ألا يتألّموا دون أن يدري عن أمر أوجاعهم أحد..
بعضهم خدم البلد حين كان قادرا، وحان الوقت لكي يخدمه البلد والمجتمع حين ضعفت قدرته…
لا تنتظروا أن يصرخوا؛ فالكريم لا يصرخ….
لا تنتظروا أن يكرروا الطلب؛ فربما كانت المرة الأولى قد كلّفتهم ما لا نراه من كبريائهم….
ابحثوا عنهم كما يبحث المرء عن دَينٍ قديم يريد أداءه، لا عن فقيرٍ يريد تسجيله في قائمة إحسانه.
إن أجمل ما يمكن أن يفعله مجتمعٌ بأبنائه أن يجعل التعثر حادثة عادية قد تمرّ في حياة أي فرد، لا هوية دائمة؛ وأن يقول لمن كبا:
نحن نحفظ لك ما كنت، ونؤمن بما يمكنك أن تكون، ولن نترك لحظة ضعف أو عجز تمحو عمرا من العطاء….
فهل من جابرٍ لعثرات كرام هذا الزمان؟!
هل من يدٍ تمتد إليهم قبل أن تمتد أيديهم؟
هل من صاحب مالٍ يرى في ماله حقّا، وصاحب جاه يرى في جاهه أمانة، وصاحب قرار يرى في منصبه بابا لقضاء حوائج الناس؟
ليس المطلوب بطلا واحدا يحمل أوجاع الجميع، بل قلوبٌ كثيرة يحمل كلٌّ منها طرفا من الحمل؛ حتى لا ينكسر كريمٌ بيننا لأنه لم يجد من يجبر عثرته، ولا يموت رجلٌ من الحياء قبل أن تقتله الحاجة.
فجبر العثرات ليس فضلا زائدا عن الأخلاق؛ إنه ذروة الأخلاق.
وليس إحسانا إلى الضعفاء؛ إنه وفاءٌ للأقوياء حين مرّت بهم لحظة ضعف.
ومن جبر خاطر إنسانٍ في الأرض، كان أرجى الناس أن يجبر الله كسره يوم لا يملك أحدٌ لأحدٍ شيئًا…
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة