هناك تمرينٌ أخلاقي صغير، لو مارسه البشر بصدق، ربما اكتفينا بمحاكم أقل، وصارت الخصومات حولنا أقل، وغدَت الاعتذارات أقل تأخُّرا :
-قبل أن تحكم على إنسان… تخيّل أنك تعرف عنه شيئا لا يعرفه الآخرون…..
– تخيّل فقط،،،،
تخيّل أن الرجل الذي يقود أمامك ببطء شديد لا يستفزك، بل يحمل في المقعد الخلفي طفلا أو شخصا من أهله خرج لتوّه من عملية جراحية، ويخاف أن تؤلمه مطبّات الطريق….
– تخيّل أن المرأة التي تأخرت أمامك عند صندوق المحاسبة لا تعبث بوقتك، وإنما تعدّ ما بقي معها من نقود، وتحاول أن تقرر بصمت:
* هل تعيد الحليب إلى الرف أم علبة الفاصوليا؟
– تخيّل أن الموظف الذي بدا لك شاردا لم ينم البارحة؛ لأنه كان يراقب صدر أبيه في المستشفى ليتأكد أنه ما زال يرتفع وينخفض….
– تخيّل أن النادل الذي أخطأ في طلبك تلقى قبل ساعة رسالة تخبره أن أمه تحتاج عملية لا يملك ثمنها، ومع ذلك جاء يحمل لك فنجان القهوة مبتسما…
– تخيّل أن الطفل الذي يصرخ في الطائرة ليس “سيئ التربية”، وإنما طفل على طيف التوحد، وأمه منذ نصف ساعة تقاوم دموعها ونظرات الركاب في الوقت نفسه….
– تخيّل أن الشخص الذي لم يرد على رسالتك ليس متكبرا؛ ربما كان يحاول طوال اليوم أن يجد سببا واحدا يجعله ينهض من سريره….
– وتخيّل أن ذلك الإنسان العصبي الذي صادفته صباحا… كان قبل عشر دقائق فقط يسمع من طبيبه كلمة: ورم قد لا يكون حميدا في عظام قفصك الصدري من الخلف ..
* لا أقول إن هذه هي الحقيقة دائما….
أقول شيئا أخطر:
– أنت لا تعرف الحقيقة دائما….
وهذه المسافة بين ما نراه وما لا نعرفه، ينبغي أن تكون موطن الرحمة…
نحن نحاكم الفصول التي نراها من كتبٍ لم نقرأها ….
المشكلة في الإنسان أنه يرى السلوك، ولا يرى السيرة التي أنتجته….
– نرى شخصا غاضبا، ولا نرى السنوات التي علّمته أن يبقى في حالة دفاع وتأهُّب دائم….
– نرى امرأة شديدة الحساسية، ولا نعرف كم مرة قيل لها إن ألمها عادي وأنها تُبالغ في التعبير عن ذلك الألم …
– نرى رجلا قليل الكلام، فنصفه بالبرود، ولا نعرف أنه تربّى في بيت كان الاعتراف بالمشاعر فيه نوعا من الضعف….
– نرى فقيرا اتخذ قرارا ماليا سيئا فنقول: لماذا لم يفكر؟
وكأن الجائع يفكر بالهدوء نفسه الذي يفكر به الشبعان…
– ونرى إنسانا ينسحب من الناس فنقول: تغيّر وتكبّر وشاف نفسه…. وربما لم يتغير…. ربما تعب فقط من شرح أشياء لا يملك لها كلمات….
وهنا يقع أحد أشهر أخطاء العقل البشري الذي يسميه علماء النفس خطأ الإسناد الأساسي حين يخطئ الآخر نقول:
-هذه شخصيته….
وحين نخطئ نحن نقول: كانت الظروف صعبة…
هو تأخر لأنه مهمل….
وأنا تأخرت لأن الطريق مزدحم….
هو صرخ لأنه سيئ الأخلاق….
وأنا صرخت لأنني كنت تحت الضغط….
هو لم يتصل لأنه لا يهتم…. وأنا لم أتصل لأنني كنت متعبا…
يا للعجب!
نمنح أنفسنا سياقا كاملا، ونمنح الآخرين حكما نهائيا…
نعرف عن أنفسنا الرواية كلها، ثم نحاكم الآخرين من لقطة شاشة…
لو عرفتَ القصة كاملة…..
هناك سؤال أراه من أجمل الأسئلة التي يمكن أن يضعها الإنسان بين غضبه ورد فعله:
ماذا لو كنت أعرف القصة كاملة؟
ليس: هل الآخر بريء؟ بل:ما الجزء الذي لا أراه؟
فربما وراء الوقاحة خوف….
ووراء الصمت انهيار…..
ووراء المبالغة احتياج قديم لم يسمعه أحد…
ووراء السيطرة إنسان عاش طويلا وهو يشعر أن كل شيء يمكن أن يُنتزع منه….
ووراء البخل ذاكرة فقر….
ووراء الغضب حزن لم يجد لغة أخرى….
ووراء المزاح المستمر رجل يخاف أن يبقى وحده مع أفكاره….
ووراء الشخص الذي يسأل كثيرا:
“هل تحبني؟” “هل أنا غالي عليكم؟” “هل تفرحون حين أزوركم”” هل أحد حولكم مثلي يحبكم ويُضحككم وكريم معكم”؟
ربما وراء ذلك الشخص طفلٌ قديم لم يكن متأكدا يوما أن أحدا سيبقى…
وهذا لا يعني تبرير الأذى….
وهنا فرق بالغ الأهمية:
أن تفهم الإنسان لا يعني أن تعفيه من المسؤولية..
يمكن أن تقول: أفهم لماذا أصبحت هكذا، ولكن لا أسمح لك أن تؤذيني…
الرحمة ليست إلغاء الحدود….
بل هي أن تضع حدودك من دون أن تحوّل الآخر إلى وحش كي تستطيع وضعها….
العالم مليء بأناس يخوضون معارك صامتة لا يدري عنها أحد….
كتب الفيلسوف “فيلون الإسكندري” معنى ظل يتردد بصيغ مختلفة عبر القرون:
كن رحيما، فكل من تقابله يخوض معركة قاسية…
ربما العبقرية ليست في العبارة، بل في كلمة:
كل… ذلك الطبيب الذي يعالج الناس قد يعود إلى بيت خالٍ…
والمعلمة التي تضحك للأطفال ربما وقّعت صباحًا أوراق طلاقها ..
والرجل الثري الذي تحسده قد يدفع نصف ماله ليعود إلى ليلة واحدة كان فيها أبوه حيا….
والمرأة الجميلة التي يظن الجميع أن الدنيا أعطتها كل شيء ربما تقف أمام المرآة وترى فقط الأشياء التي تكرهها في نفسها…
والرجل القوي الذي يلجأ إليه الجميع ربما لا يملك شخصا واحدا يستطيع أن يقول له:أنا خائف….
نحن نعيش وسط مكتبة بشرية هائلة، لكننا لا نرى من كل كتاب إلا الغلاف…
ولهذا فإن بعض أحكامنا ليست ظلما لأنها قاسية فحسب، بل لأنها ناقصة المعلومات….
*ضع ثانية واحدة بينك وبين الحكم….
قال الطبيب النفسي “فيكتور فرانكل” بمعنى مشهور إن بين المثير والاستجابة مساحة، وفي تلك المساحة تكمن قدرتنا على اختيار استجابتنا…
وأنا أظن أن الأخلاق كلها تقريبا تعيش في تلك المساحة…
الثانية التي تفصل بين:أن يستفزك أحد وأن تُهينه،،.
بين أن ترى خطأً .. وأن تحكم على صاحبه…
بين أن تسمع إشاعة… وأن تنشرها….
بين أن يغضب منك ابنك .. وأن تقول له كلمة سيظل يسمعها في رأسه ثلاثين عاما….
بين أن يخطئ العامل… وأن تُذلّه أمام الناس….
الحضارة الإنسانية أحيانا ليست أكثر من ثانية إضافية قبل رد الفعل…
ثانية تقول فيها لنفسك:مهلا…ربما هناك شيء لا أعرفه…
تخيّل أنك هو..
– قبل أن تسخر من فقير، عِش يوما بحسابه البنكي…
-قبل أن تلوم أمًا منهكة، نم ثلاث ساعات متقطعة كل ليلة لشهر كامل..
-قبل أن تقول لمكتئب: “اخرج واستمتع وانظر للنصف المُمتلئ من الكأس”، جرّب أن تستيقظ وجسدك حاضر بينما روحك لا تريد المشاركة في اليوم…
– قبل أن تسخر من بدين يأكل كثيرا، اسأل ماذا كان الطعام يعني في طفولته: مكافأة؟ أمانا؟ هروبا؟ تعويضا؟
-قبل أن تقول لمهاجر: لماذا تركت وطنك وأرضك وقومك؟
تخيّل أنك تنظر إلى أطفالك ثم إلى حقيبة واحدة ويقال لك:ضع فيها حياتك كلها…..
قبل أن تقول للاجئ: ارجع إلى بلدك …
تخيّل أن كلمة “بلدي” لم تعد تعني بيتا ومدرسة وذكريات، بل نافذة مكسورة وقبرا وصوت انفجار وبرميل بارود وشظايا….
وقبل أن تقول لشخص فقد عزيزا: “الحياة تستمر”…تخيّل أن هاتفك ما زال يحمل رقم إنسان تعرف يقينا أنه لن يجيب أبدا…
ثم قل العبارة إن استطعت … !
أكثر البشر قسوة قد يكونون أكثرهم جهلا بالتفاصيل …
القسوة تحتاج إلى الاختصار…..
لكي تكره إنسانا بسهولة يجب أن تختصره في صفة أن تسحقه في طاحونة التصنيف:
خائن مثلا .. عميل .. فاشل .. مأجور . مرتزقة باع قلمه وروحه للجحيم .. غبي…. بخيل…. متكبر… سيئ….
لكن الإنسان الحقيقي لا يسكن في كلمة….
الإنسان متاهة من الطفولة والذاكرة والخوف والجينات والتربية والحب والخذلان والفقر والفرص والصدف والأخطاء….
ولهذا كلما ازداد فهمك للإنسان صَعُب عليك اختزاله….
قد تُدينه، نعم….
قد ترفض فعله….
قد تحاسبه….
لكنك لن تستطيع بسهولة أن تقول: “هذا كل ما هو عليه”
وقد لخص عالم النفس “كارل روجرز “شيئا قريبا من هذا حين كتب أن المفارقة هي أنه حين يقبل الإنسان نفسه كما هو، يصبح قادرا على التغيير….
فالإنسان لا يتغير دائما حين نسحقه بالحكم…
أحيانا يتغير حين يشعر للمرة الأولى أن أحدا رآه جيدا وبشكل كامل بكُل ما فيه ولم يهرب….
وفي زمن مواقع التواصل أصبحنا محاكم متنقلة …
قديما … لكي تدمر سمعة إنسان كان عليك أن تتعب….
اليوم تحتاج إصبعا….
مقطع مدته عشر ثوانٍ…
صورة.تغريدة قديمة…
جملة مقتطعة….
ثم يبدأ الملايين بكتابة سيرة إنسان لم يقابلوه في حياتهم….
نحن الجيل الذي يمتلك معلومات أكثر عن البشر، وربما سياقا أقل عنهم…
نرى لحظة انهيار ولا نرى السنوات التي سبقتها….
نرى امرأة تصرخ ولا نرى ما حدث قبل تشغيل الكاميرا…
نرى رجلا يبكي فنصنع منه مادة للسخرية…
.نرى خطأً وقع قبل عشر سنوات ونطالب صاحبه بأن يكون يومها بالوعي نفسه الذي يملكه اليوم.وكأننا لا نسمح للبشر بأن يكون لهم ماضٍ.ولا أن ينضجوا.ولا أن يراجعوا أنفسهم.ولا حتى أن يكونوا متناقضين….
والأشد رعبا أننا أصبحنا نفعل ذلك ونحن نشعر بالفضيلة…
نرجم الناس أخلاقيا، ثم ننام مقتنعين أننا دافعنا عن الأخلاق….!
فكّر بغيرك… لأنك ستحتاج يوما أن يفكر فيك أحد…
هذه ليست دعوة مثالية إلى التسامح مع الجميع….
إنها شيء أكثر واقعية…
اليوم أنت القاضي… .غدا قد تكون المتهم….
اليوم أنت الذي يرى الخطأ… غدا سيرى الناس خطأك أنت ..
وسيكون هناك جزء من قصتك لا تستطيع شرحه في تغريدة….
ستتمنى حينها أن يقول شخص واحد: انتظروا… ربما هناك شيء لا نعرفه…..
ستتمنى أن يمنحك أحدهم السياق الذي كنت تمنحه لنفسك….
أن يفرّق بين أسوأ شيء فعلته وبين كل ما أنت عليه…
أن يتذكر أنك إنسان قبل أن تكون هذا الذي اقترف الخطأ…
لذلك لا تمنح الناس الرحمة لأنهم دائما يستحقونها….
امنحها أحيانا لأنك تعرف هشاشة الكائن البشري.ولأنك واحد منه…
قال دوستويفسكي في الإخوة كارامازوف:
“أحبوا الإنسان حتى في خطيئته” …
والمعنى عميق.لأن رفض الخطيئة سهل…..
لكن رؤية الإنسان المختبئ خلفها أصعب….
أن تقول:ما فعلته قبيح…لكنني لن أنسى أنك أكبر من أقبح لحظة في حياتك…
تلك درجة أخرى من الوعي….
وفكّر بغيرك… ولو ثانية….
حين يزمّر لك أحدهم في الطريق…فكّر بغيرك….
ربما يركض إلى مستشفى….
حين يتأخر موظف…فكّر بغيرك….
حين ترى طفلا بثياب غير مرتبة…فكّر بأمه التي ربما تخوض حربا لا تعرفها…
حين تجد عجوزا يعيد السؤال للمرة الثالثة…لا تتأفف…ربما بدأ العالم يتسرب من ذاكرته وهو خائف أكثر منك….
حين يتلعثم إنسان أمامك…لا تكمل كلماته…. ربما أمضى طفولته كلها يخشى اللحظة التي يضطر فيها للكلام….
وحين ترى شخصا وحيدا في مطعم، لا تفترض أنه ينتظر أحدا.ربما كان يجلس في هذا المكان كل عام مع زوجته، وجاء هذه السنة وحده لأن الموت لا يحترم الحجوزات….
وحين يتصل بك أبوك ليسألك سؤالا تافها…أجِبه…. فربما السؤال ليس مهما أصلا….
ربما كان يبحث عن ذريعة ليسمع صوتك….
وحين تكرر أمك الحكاية نفسها للمرة العشرين…لا تقل:”قلتِها من قبل.” استمع وكأنك لم تسمعها يوما .. فسيأتي يوم تعرف فيه كل حكاياتها عن ظهر قلب،
وتكون مستعدا أن تدفع شيئا من عمرك كله…لتسمع واحدة من تلك الحكايات للمرة الحادية والعشرين….
وهذه ربما خلاصة المسألة كلها:
ليس النضج أن تصبح أقدر على قراءة الناس …
بل أن تصبح أقل ثقةً بأنك قرأتهم كاملين….
أن تعرف أن وراء كل وجه غرفة لا تدخلها….
ووراء كل تصرف تاريخا لا تراه….
ووراء كثير من الغضب خوفا…
ووراء كثير من الصمت وجعا.ووراء كثير من البشر طفلا قديما ما زال ينتظر شيئا لم يحصل عليه….
لذلك حين تستطيع أن تكون قاسيا… جرّب أن تكون عادلا…
وحين تستطيع أن تكون عادلًا… جرّب أن تضيف قليلا من الرحمة…
وحين لا تفهم تصرف إنسان، لا تسارع إلى اختراع أسوأ تفسير له….
قل فقط: كُلٌّ يخوض معركته الخاصة .. وربما هناك فصل لم أقرأه….
فأكثر الناس الذين مررنا بهم في حياتنا لم يكونوا بحاجة إلى موعظة عظيمة…
كانوا بحاجة إلى شيء أصغر بكثير:
إنسان يؤجل حكمه عليهم…
ثانية واحدة فقط… .وربما كانت تلك الثانية هي كل ما يفصل بين عالمٍ يتلذذ بمحاكمة البشر، وعالم يتذكر أنهم بشر …
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة