بعد فترة مراجعة استمرت 45 يوما في الكونغرس الأمريكي، دخل قرار رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب حيز التنفيذ، وزالت عقبة كؤود أمام الاستثمار في سوريا.
القرار الأمريكي قوبل بارتياح شديد لدى الحكومة السورية، عبر عنه الشرع في خطاب له بقوله: “إن سوريا اليوم تنفض عن كاهلها نكتة سوداء، وتمزق بأيديها صفحة من ماضيها الأليم، لتنطلق إلى فضاء التنمية والإعمار والبناء”.
يُنظر إلى الحدث على أنه يمثل نقلة كبيرة للإصلاحات في الداخل السوري، إذ أن رفع سوريا من قائمة الإرهاب يعزز مجالات الاستثمار والتجارة الخارجية والاندماج في النظام المالي الدولي والشراكات الخارجية في قطاعات حيوية كالطاقة والصحة والتعليم والزراعة والاتصالات.
كرد فعل طبيعي في مثل هذه المواقف، توجه الرئيس السوري أحمد الشرع بالشكر إلى نظيره الأمريكي دونالد ترامب إزاء قرار رفع العقوبات، إضافة إلى توجيه الشكر للدول الصديقة والداعمة لكل من وقف بجانب سوريا.
أجزم أن رسالة الشكر الموجهة من الرئيس السوري للرئيس الأمريكي لا تخرج عن سياق الأعراف الدبلوماسية، ولا يتصور عاقل أن تكون محلًا للنقد.
ربما يكون الشرع حالة استثنائية من هذا التصور الطبيعي، فلأنه لا يزال لقبه القديم (الجولاني) ماثلًا في الأذهان فقد هوجم الرجل لثنائه على الرئيس الأمريكي، حتى أن أحد الدعاة من ذوي النزعة الثورية، عاب على الرئيس السوري ما أعتبره ذلك الداعية تلاعبًا بالدين وبدماء الناس باسم السياسة، وبنى هجومه على الشرع بأنه يوادع ويتودد لأمريكا، بينما كان في السابق يحرض الأمة ضدها وتسبب بمقتل الآلاف تحت رايته في العراق والشام، بحسب كلامه.
لست هنا بصدد الرد على ذلك الداعية، وإنما سقتُ موقفه كمثال على تلك الشريحة التي تعمد إلى الخلط بين الجولاني والشرع، دون النظر إلى الظرف السياسي ومتطلبات المرحلة، وتجهل أو تتجاهل الفرق بين رجال الثورات ورجال الدول.
ينبغي أن يعلم من سياق التحولات الفكرية والمنهجية للجولاني، أن الصورة التي استقر عليها ورسخت قدمه فيها، هي صورة تلك الشخصية الثورية التحررية، التي حصرت عملها وأهدافها في تحرير سوريا من نظام الأسد وإعادة بناء الدولة من جديد، دون الانخراط في تنظيمات عابرة للحدود مثل القاعدة أو تنظيم الدولة داعش.
من هذا المنطلق، يمكن المقارنة بين الجولاني رجل الثورة، والشرع رجل الدولة.
التطلعات الثورية غالبا ما تتجه إلى إسقاط الأنظمة، وتكتسب شرعيتها من معاناة وآمال الشعوب، وتوالي وتعادي على أساس أهدافها الكلية، وهي متحررة إلى حد بعيد من الالتزام بالنظر إلى حسابات الدول وطبيعة العلاقات السياسية بينها.
إضافة إلى ذلك فإن الثورة ليست جهة رسمية تمثل الدولة وتستقل بعلاقات خارجية مع الدول بعيدًا عن النظام الحاكم الذي تتعامل معه الدول، ومن ثمّ فإن خطابها يأخذ الطابع الثوري ضد قوى الاستبداد بشكل عام، هذا هو شأن الثورات والحركات التحررية.
لكن الذي وصل إلى سدة الحكم اليوم هو أحمد الشرع وليس أبو محمد الجولاني، ومن يتصور أن بوسع الرجل أن يحكم دولة بهذا الحجم والموقع والتركيبة الاجتماعية بقواعد وآليات وأهداف الثورة فهو جاهل – أو متجاهل- بأحوال الدول وشبكة العلاقات الدولية المعقدة وحسابات المصالح والمفاسد.
الدولة تدار بعقلية السياسي وليس الثائر، فالدولة لا تعيش في فراغ، وقوة الدول لا تقاس فحسب بقوة اقتصادها أو جيشها أو لحمتها الاجتماعية، وإنما تقاس كذلك بشبكة التحالفات التي تعقدها، واستغلال تقاطع المصالح مع الدول في تسيير ملفاتها الحيوية ومواجهة أزماتها الكبرى.
المرحلة الحالية ليست مرحلة كفاح مسلح ضد نظام فاشي أذل الشعب السوري، إنما هي مرحلة بناء الدولة من جديد، دولة مؤسسات، والنهوض بكافة القطاعات لتحقيق الاستقرار، وبناء عقد اجتماعي توافقي مع الجميع. ولا يخفى أنه في ظل هذه الأهداف تبرز تحديات ضخمة للدولة، أبرزها الاستهداف الإسرائيلي للأراضي السورية وعرقلة مسيرة البناء، والعمل على تفتيت سوريا إلى كنتونات وإقامة حكم ذاتي لبعض المكونات الموالية لإسرائيل.
من يرى أن الجولاني هو الذي يحكم سوريا، ينتظر أن يرفع راية الجهاد ويقاتل المحتل الصهيوني، ويناصب الولايات المتحدة العداء باعتبارها الراعي الرسمي للكيان الإسرائيلي، ثم عليه أن يتحمل ورجاله وشعبه تحويل سوريا إلى ساحة حرب لا تمتلك الدولة أدنى مقومات الدخول فيها، ثم نتباكى جميعًا على دولة كانت ولم تعد.
الذي يحكم الآن هو أحمد الشرع، رئيس دولة خرجت من الركام للبناء، يدرك معطيات الواقع جيدًا، ويتعامل مع الجميع على مبدأ الاستفادة، ويسعى إلى خلق مناخ آمن يستطيع من خلاله بناء الدولة، فمن ثم يتعامل مع المجتمع الدولي باعتباره ممثلا لدولة معترف بها لا قائدًا لجماعة ثورية. لذلك سعْي الشرع لدى الولايات المتحدة لعقد اتفاقيات أمنية مع الكيان الإسرائيلي ليس تطبيعًا، وإنما محاولة لتجميد العداء الإسرائيلي في مرحلة حرجة تمر بها سوريا.
وعلاقته المرنة بترامب لا ينبغي النظر إليها على أنها علاقة تبعية بقدر ما هي استثمارية، فالشرع الذي يقيم علاقات قوية مع الولايات المتحدة ويبذل الشكر إلى رئيسها، هو ذاته الذي رفض الإملاءات الأمريكية بمواجهة حزب الله اللبناني بالوكالة بدلا من إسرائيل وفقا لأحلام ترامب.
ينبغي عند تقييم أداء الحكومة السورية الجديدة، أن نفصل بين ما كان وما هو كائن، بين فكر الثورة وسياسات الدولة، بين الجولاني والشرع.
وأما بعض الدعاة الذين يستنكرون هذا المنحى، فبوسعهم الرجوع إلى كتب الفقه الإسلامي والتعرف على فقه السياسة الشرعية التي تدار وفق قواعدها الدولة في الإسلام.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة