الصواريخ التي تسقط على الأردن… تُسقِطُ الأقنعة كذلك…

لستُ أكتب اليوم عن إيران بوصفها دولة نختلف معها سياسيا، ولا عن السنة والشيعة، ولا عن بني أُمية ولا عن بني العباس.. ولا عن الفرس ولا عن العرب، ولا عن التاريخ المُثقل بالخصومات المذهبية.

أنا أكتب عن وطن اسمه الأردن، دخلت صواريخ دولة أجنبية مجاله الجوي، ثم جلس بعض من يعيشون بيننا أو يتحدثون بلغتنا يصفقون للدولة التي أطلقتها.

وهنا تنتهي المجاملات…..مع احترامي لمن يستحقون الاحترام ..

هناك فرق هائل بين أن تختلف مع سياسة بلدك، وأن تفرح حين يصبح بلدك ميدانا لصواريخ الآخرين….

وهنا فرق أكبر بين أن تعارض وجود قاعدة أجنبية على أرض بلدك، وأن تمنح دولة أجنبية حق معالجة اعتراضك المشروع ذاك بصاروخ باليستي…

وهناك فرق أيضا بين أن تحب فلسطين، وبين أن تجعل فلسطين صك غفران لكل دولة ترفع شعارها ولو كانت دولة مُجرمة احتلالية إرهابية لا تختلف كثيرا عن الكيان الصهيوني الذي ارتكتب المجازر في فلسطين….

*فلسطين ليست مغسلة سياسية نُدخل إليها اقترافات الأنظمة فتخرج طاهرة، وغزة ليست رخصة لإيران أو أمريكا أو إسرائيل كي تعبث بسيادة الأردن…

إذا كان في الأردن وجود عسكري أمريكي يعترض عليه مواطن، فله أن يكتب وينتقد ويطالب البرلمان بمراجعة الاتفاقيات…. هذا اسمه سياسة.

أما أن تأتي دولة أجنبية لتقول: سأعالج المسألة بصواريخي، فهذا اسمه انتهاك لسيادة دولة….

أنا لا أريد دولة تحاسب إنسانا لأنه يحب الشعب الإيراني، أو يكره السياسة الأمريكية، أو حتى الملك… أو يرى أن طهران أصابت في موقف وأخطأت في آخر. الدول الواثقة لا تفتش القلوب….

لكن من واجب الدولة أن تطبق القانون حين ينتقل الأمر، وفق توصيف القضاء، من رأي سياسي إلى تحريض على استهداف المملكة أو تمجيد لاعتداء عليها.

وهنا أطالب بمحاسبة قانونية فردية، لا بمحاكم تفتيش، ولا بعقاب على الهوية أو الأصل….

فالقانون لا يسأل الإنسان من أين جاء جده، بل يسأل:

ماذا فعلت أنت؟

لا يعنيني إن كان من يصفق لإيران أردني الأصل، أو فلسطيني الأصل، أو عراقيا، أو سوريا، أو مصريا، أو جزائريا أو يمنيّا….

والذي يفرح بصاروخ يستهدف الأردن لا يمثل شعبه، بل يمثل نفسه.

ولهذا أرفض القول إن الدماء العربية غير نقية….

فالدم لا يملك موقفا سياسيا، والخيانة ليست كروموسوما، والوفاء ليس جينا. الشعوب نفسها تنجب الشريف والوضيع، والمخلص والانتهازي، ومن يفتح بيته للغريب ومن يبيع أقرب الناس إليه.

فلا نحاكم ملايين العراقيين بسبب تعليق عراقي، ولا ملايين الجزائريين بسبب حساب جزائري، ولا شعبا كاملا لأن بعض سفهائه امتلكوا اتصالا بالإنترنت.

نحن أكبر من أن نقاوم ظلما بظلم….

لكن ما رأيته في التعليقات على أنباء استهداف الأردن بصواريخ إيرانية أمر مخيف ومؤسف…

ليس لأن الأردن مقدس، أو لأن حكوماته معصومة، بل لأن بعض الناس انتقلوا من نقد الدولة التي يعيشون فيها إلى تشجيع من يقصف سماءها.

يبدأ الأمر بفكرة صغيرة:

قضيتي أهم من وطني…

ثم تتحول إلى: الدولة التي تتبنى قضيتي يحق لها ما لا يحق لغيرها…

ثم يصبح كل خطأ يرتكبه الحليف مبررا لأن خصمه أسوأ….

وفي النهاية لا يعود الإنسان يرى الصاروخ صاروخا، بل يراه موقفا سياسيا طائرا في السماء: إن أطلقه خصمه كان عدوانا، وإن أطلقه حليفه صار كرامة.

وهكذا يموت الضمير تحت ركام الأيديولوجيا….

أخطر ما فعلته ثقافة المحاور في العقل العربي أنها جعلته يسأل عن هوية القاتل قبل أن يسأل عن القتيل….

فإذا قصف من نكره غضبنا، وإذا قصف من نحب بحثنا له عن الحيثيات.

إذا كان اختراق إسرائيل لسيادة دولة عربية عدوانا -وهو كذلك بلا أدني شك- فكيف يصبح اختراق السيادة نفسها بطولة حين يأتي الصاروخ من الشرق بدل الغرب؟

السيادة لا يتغير معناها بحسب العلم المرسوم على الصاروخ…

ومن أراد امتلاك موقف أخلاقي، فعليه أن يتبنى معيارا واحدا لأعدائه وأصدقائه، وإلا فهو لا يملك مبدأ، بل يشجع فريقا سياسيا.

ولا تسمحوا لأحد أن يبتزكم بغزة….

أستطيع أن أنحاز إلى حق الفلسطيني في الحياة والحرية، وأن أرفض الاحتلال والقتل والتهجير، ثم أقول لإيران في اللحظة نفسها:

الأردن ليس ساحة بريد لصواريخك….

لا تناقض في ذلك، بل هذا هو الاتساق الأخلاقي….

فمن يؤمن بسيادة فلسطين يجب أن يؤمن بسيادة الأردن، ومن يرفض أن تقرر إسرائيل مستقبل الفلسطينيين بالقوة لا يستطيع أن يمنح إيران حق تقرير ما يجوز أن يحدث في الأردن بالقوة.

الأردن ليس مربعا على خريطة العمليات، ولا ممرا جغرافيا في حروب الكبار. تحت ما يسمونه “المحاور” بيوت وأطفال، وفي السماء طائرات مدنية، وعلى الطرق أناس لا علاقة لهم بصراع واشنطن وطهران.

الدولة ليست ترابا محايدا تمر فوقه الصواريخ، بل حياة بشر قد يسقط الصاروخ فوق رؤوسهم.

والقول إن الهدف أمريكي لا يغير هذه الحقيقة….

إذا أراد طرفان أن يتقاتلا فليتحملا مسؤولية حربهما، أما تحويل دولة ثالثة إلى صندوق بريد للنار فليس مقاومة ولا بطولة.

ولهذا يأتي دور الدولة…..

أنا ضد الاعتقالات العشوائية، وضد ملاحقة الناس بسبب آرائهم، وضد تصنيفهم بحسب طوائفهم وأصولهم….

لكنني ضد السذاجة التي تسمي كل شيء حرية تعبير.

حرية التعبير لا تحول التحريض إلى رأي بريء، وفي المقابل لا يملك الكاتب أن يصدر أحكام الإدانة مكان القضاء.

مطالبتي واضحة:

كل منشور أو خطاب يشتبه بأنه تجاوز الرأي إلى التحريض على استهداف الأردن، أو دعم اعتداء مسلح عليه، يجب أن يحال إلى الجهات المختصة ويقيم وفق القانون، مع ضمان المحاكمة العادلة وحق الدفاع.

لا نريد ثأرا، بل نريد دولة….

الثأر يسأل: من جماعتك؟

أما الدولة فتسأل: ماذا فعلت أنت؟ وما النص الذي خالفته؟ وما الدليل؟

من يعيش في الأردن، مواطنا كان أو مقيما أو ضيفا، لا نطلب منه أن يحب الحكومة، أو يصفق للملك، أو يتبنى السياسة الخارجية الأردنية حرفا بحرف…

لكن هناك حدا أخلاقيا لا يحتاج إلى محاضرة في الوطنية:

لا تُرحّب بنار قد تُجهِزُ على بيت تنام آمنا فيه…

يمكنك أن تختلف مع صاحب البيت، لكن لا تصفق لمن يحرق السقف فوق رؤوس الجميع.

وإلى الأردني المؤيد لإيران أقول:

أحبب إيران إن شئت، وكُن مُعجبا بحضارتها إلى يوم تُبعثون، واقرأ حافظ وسعدي، وعارض أمريكا صباح مساء، وناصر فلسطين حتى آخر صوت لك…

لكن ….

حين يدخل صاروخ إيراني سماء بلدك يجب أن تعرف أين تقف.

ليس مطلوبا منك أن تكره إيران، بل أن تقول لها:

هنا الأردن…..

هناك فرق بين الصداقة والتبعية، وبين الإعجاب والولاء، وبين أن ترى لدولة حقا في الدفاع عن نفسها، وأن تمنحها حق استخدام وطنك لتصفية حساباتها…

ومن لا يستطيع أن يقول لحليفه “لا” حين يعتدي على بلاده، فليس حليفا له، بل تابع إمّعه !

وإلى العربي الذي فرح بالصاروخ أقول:

تخيل المشهد معكوسا…..

تخيل صاروخا أجنبيا يدخل سماء بغداد أو القاهرة أو الجزائر أو دمشق، ثم ترى أردنيا يكتب ضاحكا وبشماتة: “ممتاز”.

هل ستقبل أن أشرح لك أنني لا أكره شعبك، بل أؤيد المحور الآخر؟

لن تقبل، وأنا أيضا لا أقبل….

الأوطان ليست تفصيلا جانبيا في خصوماتنا الأيديولوجية….

والأردن الذي يريد بعضهم اختزاله في كلمة “قاعدة أمريكية” أكبر بكثير من كُل هذا الهراء..

هذا البلد استقبل خلال عقود فلسطينيين وعراقيين وسوريين ويمنيين وغيرهم من الهاربين من حروب المنطقة….

لا أذكر ذلك منّة على أحد، فالكرم الذي يتحول إلى فاتورة يفقد معناه، لكن من الإنصاف أن نقول:

بلد حمل جانبا من أوجاع المنطقة لا يستحق أن يصبح هدفا مُباحا ومُبررا كلما اختلفت دولتان أكبر منه.

الدولة القوية لا تخشى صاحب رأي، ولا تحول كل مخالف إلى خائن، لكنها لا تتعامل مع أمنها القومي بوصفه مادة للمزاح….

وهذه هي المعادلة التي أريدها:

أوسع مساحة للرأي، وأقصى صرامة قانونية تجاه الفعل المجرم…

من قال إنه يؤيد إيران سياسيا ناقشوه..

ومن انتقد السياسة الأردنية ردوا عليه بأدب وحكمة…

ومن اعترض على العلاقات الأردنية الأمريكية فذلك شأن سياسي مشروع الجدل فيه….

أما من تجاوز ذلك، بعد التحقيق والقضاء، إلى التحريض على الاعتداء أو دعمه، فمكان مساءلته أمام القانون، لا في حفلات الشتائم على مواقع التواصل.

الوطنية لا تظهر في صورة علم أو أغنية أو وسم او هاشتاق في يوم الاستقلال….

تظهر حين يخطئ حليفك الخارجي في حق بلدك فتختار بلدك، وحين تكون غاضبا من حكومتك ثم يهدد الخارج أرضك، فتفصل بين خصومتك السياسية وسلامة وطنك.

تظهر حين تستطيع أن تقول لمن تحب:

“قف… هنا تبدأ حدود بلادي….!”

فالحدود ليست مجرد خطوط رسمها سايكس وبيكو كما يكرر بعض المُنظّرين. خلف هذه الخطوط أمك وابنك وبيتك ومدرستك وقبر أبيك وجدّك وذكريات طفولتك ومستشفى قد يحتاجه أحد أحبابك الليلة.

الوطن ليس التراب وحده، بل البشر الذين قد يسقط الصاروخ فوق رؤوسهم.

لهذا لا أطالب الأردني بأن يكره إيران، أو يحب أمريكا، أو يتخلى عن فلسطين. أطلب منه شيئا واحدا:

أن يكون الأردن عنده قبل إيران وأمريكا وإسرائيل وكل محاور الأرض….

وأطالب الدولة في المقابل ألا تحاسب الناس على أصولهم أو مذاهبهم أو عواطفهم، وألا تجعل الغضب الشعبي بديلا عن القانون، لكنها تطبق القانون بلا تردد حين توجد شبهة جريمة، وبالضمانات التي تليق بدولة تحترم نفسها.

لأننا إن حاربنا الولاء للخارج بالظلم في الداخل، خسرنا الفكرة التي ندافع عنها. أما إن حكمنا بالقانون، فستكون الرسالة أشد وأبقى:

أكرر :

اختلف مع الأردن كما تشاء، وانتقد حكومته كما تشاء، وناصر فلسطين كما تشاء، وأحبب الشعب الإيراني كما تشاء، لكن لا تجعل حبك لأي قضية أو دولة مبررا لأن يصبح الأردن هدفا مشروعا….

فلسطين ليست ضد الأردن، والعراق ليس ضد الأردن، واليمني والجزائري والمصري ليسوا ضدّ الأردن، ولا ينبغي أن نُحول هذه اللحظة إلى كراهية للشعوب.

المشكلة في تلك العقيدة السياسية المريضة التي تجعل الإنسان يغفر لحليفه ما يدين به عدوه.

من حقك أن تختار موقفك السياسي، لكن ليس من حق أحد أن يختار للأردنيين أن تكون سماؤهم ساحة حرب.

ومن حقك أن تحب من تشاء خارج الحدود، أما حين يأتي الصاروخ إلى الداخل فليس السؤال: من أطلقه؟ ….السؤال الأبسط والأشرف:

على أي أرض سيسقط؟

والجواب هذه المرة:

على أرض الأردن….

وهنا يجب أن ينتهي كل جدال.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

«آسف».. تلك التي تُطفئ النار

(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، حديث نبوي شريف يقرر حقيقة ما جُبل عليه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *