الحرس الثوري…إمبراطورية الاقتصاد الموازي في إيران

كثيرًا ما يُنظر في الوطن العربي إلى الحرس الثوري الإيراني من زاوية أمنية وعسكرية، نظرًا لحضوره القوي في ملفات إقليمية شائكة خاصة تلك التي تتعلق بالأذرع الإيرانية في المنطقة فيما يعرف بمحور المقاومة.

وهذه المقاربة على أهميتها، إلا أنها لا تعكس فهمًا شاملًا لحقيقة الحرس الثوري الإيراني، فهو ليس مجرد قوة عسكرية وأمنية ضاربة في إيران، بل يتجاوز هذا المنظور إلى كونه إمبراطورية اقتصادية في الداخل الإيراني، تمثل كيانًا موازيًا للدولة، أو دولة داخل الدولة، وهذه قضية لا تتعلق بنفوذه الحالي فحسب، بل فيما يتعلق بمستقبل إيران نفسها، خاصة في حال تفكيك بنية النظام على خلفية الحرب الأمريكية الإيرانية، وما تضمنته من أعمال عسكرية وتطويق اقتصادي بهدف إسقاط النظام.

خرج هذا الفصيل العسكري الأمني من رحم ثورة الخميني 1979، بهدف تعزيز السلطة وحماية النظام من التهديدات الداخلية والخارجية، فتأسس فيلق الحرس الثوري الإسلامي ثم تطور إلى أقوى منظمة مسلحة في الشرق الأوسط، وأصبح ذا قوة عسكرية واقتصادية وسياسية واسعة، وسيطر على معظم الاقتصاد الإيراني، وعومل بالداخل على أنه رأس الحربة في تصدير الثورة الإيرانية، وتنفيذ سياسات النظام في تنظيم شبكة العلاقات مع القوى المسلحة الموالية للنظام الإيراني، أبرزها حزب الله اللبناني، وجماعة الحوثي باليمن، والحشد الشعبي في العراق.

شكلت الحرب العراقية الإيرانية نقطة تحول كبرى في تاريخ الحرس الثوري، حيث أكسبته تلك الحرب خبرة قتالية عالية، ونجح في بناء شبكات تعبئة اجتماعية وسياسية عميقة داخل إيران، إضافة إلى صعود العديد من قياداته إلى نخب نافذة في إيران، ولم يكن من الممكن بعد الحرب إعادته إلى حجمه الطبيعي، حيث تعاظم نفوذه تدريجيا في مؤسسات الدولة واقتصادها.

الحرس الثوري الإيراني دولة موازية بما تعنيه الكلمة، فهو يمتلك قوات بحرية وبرية وجوية منفصلة، وله نظام استخبارات خاص، ويشرف على قوات الباسيج التي تضم ملايين المتطوعين الذين ينتظمون في تلك المؤسسة الشعبية العقائدية القوية التي تعمل كأداة للنظام في مراقبة وضبط الشارع الإيراني، ومن ثم لا تؤثر أية احتجاجات أو اضطرابات داخلية بشكل كاف على النظام.

إضافة إلى ذلك، يدير الحرس الثوري شركات ومؤسسات مالية ضخمة وشبكات إعلامية قوية، فتجاوز نفوذه في كثير من الأحيان الحكومة المدنية نفسها.

بدأ الحرس الثوري نشاطه الاقتصادي عقب الحرب العراقية الإيرانية، حيث احتاجت إيران إلى إعادة إعمار واسعة ومحو آثار الحرب على الداخل، فدخل الحرس بقوة إلى قطاع البناء والبنى التحتية، حتى امتد حضوره مع مرور السنوات إلى إمبراطورية ضخمة تشمل قطاعات الطاقة والمقاولات والاتصالات والموانئ والنقل والمصارف.

هناك عوامل استفاد منها الحرس الثوري للتمدد اقتصاديا، أبرزها العقوبات المفروضة على إيران من قبل الغرب، والتي أضعفت قدرة الشركات الأجنبية على العمل داخل السوق الإيراني، فأصبح المجال مفتوحا أمام المؤسسات ذات الصلة بالحرس للاستحواذ على مشروعات ضخمة.

كما نجح الحرس الثوري في استثمار الحصار الذي خلق بيئة مثالية لنمو شبكات اقتصادية مغلقة بعيدة إلى حد ما عن المراقبة.

هناك رافد حيوي لاقتصاد الحرس الثوري نتج عن العقوبات الأمريكية، وهو مجاله الواسع في تهريب المخدرات عبر الحدود، ما أسهم في ازدياد النفوذ الاقتصادي للحرس الثوري.

عامل آخر من عوامل التمدد الاقتصادي للحرس الثوري، وهو طبيعته العقائدية التي ربطته بالنظام نفسه، فالخميني المرجعية العليا كان يتطلع لجيش مذهبي من الشباب المتدين من خلال التجنيد من الحوزات والمعاهد العلمية، على مبدأ ولاية الفقيه، التي كانت الرابط العقائدي أو الأيديولوجي بين الحرس والنظام.

أنشئ الحرس الثوري لحماية النظام نفسه من خلال التبعية العقدية، ويدرك النظام أنه لا قوام له إلا بوجود الحرس الثوري، فمن ثم منح النظام هذا الكيان امتيازات واسعة، حيث أن ثقته بهذه المؤسسة أكثر بكثير من ثقته بالمؤسسات المدنية والقطاع الخاص.

هذه الامتيازات الواسعة مكنت الحرس الثوري من القبض على زمام ما يصل إلى ثلثي الاقتصاد الإيراني في بعض التقديرات الغربية، حيث تنفذ في العديد من الصناعات وقطاع الشحن والواردات والشركات القابضة، وأعمال البناء والنفط والاتصالات، إضافة إلى التعاقد من الباطن مع شركات أجنبية والحصول على عقود ضخمة من الدولة دون إجراء مناقصات في مجال البنية التحتية وقطاع النفط.

المهمة الموكولة إلى الحرس الثوري في تصدير الثورة وبناء شبكة العلاقات المعقدة مع الأذرع الإيرانية وإدارة ملفاتها الشائكة، قد استنزف موارد الدولة بشكل قوي.

وحتى مع الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضته الولايات المتحدة مؤخرًا على إيران بهدف إخضاع أو إسقاط النظام الإيراني، يتم إدارة الأزمة داخليا على مبدأ الأولوية للأجهزة الأمنية والعسكرية وعدم تحجيم ميزانيتها، بينما تتحمل البنى التحتية والأحوال المعيشية الكلفة الاقتصادية للحرب.

من هنا ندرك أن الأزمات الاقتصادية المتتابعة داخل إيران والتي كثيرا ما تؤدي إلى تثوير الرأي العام وانتفاضة الشارع الإيراني، ليس فقط مصدرها العقوبات المفروضة على إيران، وإنما يتحمل جزء كبير منها سيطرة إمبراطورية الحرس الثوري على معظم الاقتصاد، والذي أسهم بدوره في خنق القطاع الخاص وإنتاج طبقة اقتصادية مرتبطة بالسلطة يصعب فصل مصالحها عن القرار السياسي.

مستقبل الحرس الثوري يرتبط ارتباطا وثيقا بتحديات اختلاف الأجيال، فالجيل الحالي ليس جيل الثورة، ولا يملك ذاكرتها ولا يتعامل مع الخطاب الثوري التقليدي بنفس الحماسة، وكلما توسع دور الحرس في قمع الاحتجاجات نتيجة تدهور الاقتصاد زادت الفجوة بينه وبين هذا الجيل.

بات الحديث اليوم عن مستقبل الحرس الثوري في ظل تحولات سياسية كبرى محتملة حاضرًا، وما إن كانت إيران يمكن لها أن تتجه لحصر المؤسسات العسكرية وأبرزها الحرس الثوري في مجال عملها الطبيعي.

وقد يبدو أن هذا الطرح ممكنًا عند الحديث عن إسقاط النظام، لكنه من الناحية العملية من الصعوبة بمكان، فالنفوذ الذي راكمه الحرس الثوري خلال العقود الماضية جعله متغلغلا في الاقتصاد والإدارة والسياسة والإعلام، كما أن قطاعات واسعة من النخب الإيرانية باتت ترتبط مصالحها بهذه المؤسسة بشكل مباشر أو غير مباشر.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لسنا أبناء آبائنا فقط… بل أبناء ما جعلونا نشعر به تجاه أنفسنا…!!

نعم حوّلوا الأُبوّة إلى حصانة أخلاقية مطلقة؛ كأن الإنجاب شهادة براءة، وكأن صلة الدم تمحو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *