الرئيسية / تقارير / خطاب تميم ومستقبل مجلس التعاون الخليجي

خطاب تميم ومستقبل مجلس التعاون الخليجي

ليس ثمة ما يؤكد انهيارا قريبا لمنظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أو عودة التماسك إليها، في حين يبدو أن هذه المنظومة قادرة على الاستمرار دون فاعلية في الأداء، أو التأثير في العلاقات البينية بين الدول الست الأعضاء، أو علاقات دول المنظومة مجتمعة مع الدول والتكتلات السياسية الأخرى.

سيكون من غير اليسير على الولايات المتحدة التعامل مع دول المنظومة ككتلة واحدة تشترك معها بعلاقات وثيقة وتوفر لها ما يشبه “مظلة حماية أمنية” سعت لتطويرها إلى تحالف أوسع يضم إلى جانب الدول الست، دولتين حليفتين للولايات المتحدة هما مصر والأردن، في سياق “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي”، أو “الناتو العربي”.

الانقسامات داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي منذ أزمة قطر في يونيو / حزيران 2018، ازدادت عمقا بعد الأزمة “العالقة” بين السعودية وتركيا بشأن “مقتل خاشقجي”، وانعكاساتها على العلاقات السعودية الأمريكية بشكل مباشر.

وفي خطابه السنوي خلال افتتاح الدورة السابعة والأربعين لمجلس الشورى في مقر المجلس بالدوحة، الثلاثاء 6 نوفمبر / تشرين الثاني، تحدث أمير قطر عن الخطط الاقتصادية والاستثمارات وما يتعلق بالبنية التحتية، والمشروعات المتعلقة بتحسينها وتطويرها إلى جانب قضايا داخلية أخرى.

وفي الوقت الذي أكد فيه أمير دولة قطر تجاوز بلاده إلى حد كبير آثار المقاطعة الرباعية (من السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، فإنه أكد أيضا أن استمرار الأزمة داخل مجلس التعاون الخليجي كشف “إخفاق المجلس في تحقيق أهدافه” وتلبية طموحات شعوبه.

كانت الغاية من إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية أوائل ثمانينيات القرن الماضي تحسين الأمن الجماعي، والوقوف على أرضية مشتركة في مواجهة التحديات للدول الست التي تحكمها عوائل تتوارث الحكم تلتقي على عرقية عربية مشتركة وهوية “سُنية” واحدة، في مواجهة تهديدات “تصدير الثورة الإيرانية” التي تقود العالم الشيعي.

ويهدف مجلس التعاون الخليجي إلى تحقيق التنسيق والتكامل بين الدول الأعضاء في جميع المجالات وصولا إلى الوحدة فيما بينها.

تشكل الانقسامات داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي “عقبة” في الوصول إلى مشتركات مجمع عليها بين الدول الست التي تباينت مواقفها وفق الاستقطابات الداخلية إلى محور يضم السعودية والإمارات والبحرين، في حين تبدو قطر منفردة، فيما تقف سلطنة عمان ودولة الكويت في نقطة تحاولان الانطلاق منها للتوصل إلى مشتركات يلتقي عليها طرفا الأزمة في سبيل حلها وإعادة التماسك إلى بنية المجلس.

في مقابل ذلك، يتم تعزيز التحالفات الثنائية بين الأعضاء في الدول الست دون بناء تحالف مشترك يضم الجميع، وهي تحالفات يُنظر إليها في أحيان كثيرة على أنها بديل عن العمل المشترك داخل مجلس التعاون الخليجي، وأنها تعزز الانقسامات بشكل أكبر.

أعلنت السعودية والإمارات في 5 ديسمبر / كانون الثاني 2017 لجنة للتعاون المشترك في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية بالتزامن مع انعقاد القمة الخليجية في الكويت التي اقتصر التمثيل فيها إلى جانب أمير دولة الكويت رئيس القمة، على أمير قطر، ومثّل السعودية وزير خارجيتها، فيما مثّل الإمارات وزير الدولة للشؤون الخارجية ونائب رئيس الوزراء في البحرين ونائب رئيس مجلس الوزراء في سلطنة عمان.

وأقامت السعودية مجلس تنسيق ثنائي مع دولة الكويت في يوليو / تموز الماضي، في خطوة يرى مراقبون أنها تندرج في سياق استراتيجية سعودية تولي التنسيق وبناء علاقات ثنائية مع بعض أعضاء دول المجلس أولوية مقدمة على التفاهمات والعلاقات ضمن إطار مشترك يضم جميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي الستة.

وشدد الأمير في خطابه على أن أمن واستقرار الدول الخليجية والعربية لن يتحققا “عبر المساس بسيادتها”، وإنما عبر “احترام القواعد التي تنظم العلاقات بينها، والعمل على حل الخلافات عن طريق الحوار الذي يرعى مصالح الأطراف المعنية”.

ويأمل أمير قطر أن “يُستفاد من الأزمة الراهنة في تطوير مجلس التعاون الخليجي على أسس سليمة تشمل آليات حل الخلافات، وتضمن عدم تكرارها مستقبلا”؛ لأن “تردي العلاقات الخليجية يضعف قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على حل مشاكل المنطقة”.

ففي 8 نوفمبر / تشرين الثاني، نقلت وكالة رويترز عن “ثلاثة مسؤولين أمريكيين” أن “المضي قدما” باتجاه إنشاء تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي بات “يواجه الآن تعقيدات جديدة” بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده بإسطنبول في 2 أكتوبر / تشرين الأول الماضي.

إلا أن مسؤولا أمريكيا “كبيرا” في إدارة دونالد ترامب، نفى أن يكون مقتل خاشقجي “أعاق التقدم بشأن التحالف” الذي قال عنه “إنه أكبر من دولة واحدة وأكبر من قضية منفردة”.

كما صرح الجنرال الأمريكي المتقاعد أنتوني زيني، مفاوض الإدارة الأمريكية الرئيسي بشأن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي، أن المبادرة “ماضية قدما”، لكنه أشار إلى أن تأثير مقتل خاشقجي لا يزال “غير واضح”.

الأهداف المعلنة لتحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي الذي يضم مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها دولة قطر، هي تنسيق آليات الردع الصاروخي ومكافحة التهريب والقرصنة وتعزيز جهود الحرب على الإرهاب بين هذه الدول والولايات المتحدة من خلال بناء جبهة واحدة كمنظمة شبيهة بحلف شمال الأطلسي قادرة على ردع الأعمال “العدائية” من مختلف الدول والمنظمات والتنظيمات، بما فيها التصدي للنفوذ الإيراني الذي تصفه الولايات المتحدة بـ “الخبيث”.

ومع أن دول المجلس بشكل عام ترى أن إيران تشكل تهديدا لأمنها ولأمن المنطقة واستقرارها، إلا أن كل دولة من الدول الست تقع ضمن دائرة الاستقطابات الداخلية، ما يحول دون بناء موقف موحد، وتحتفظ كل دولة على انفراد بموقف خاص بها تجاه إيران وفق ظروفها الداخلية وتركيبة مجتمعها التي تضم عادة نسبة من الشيعة، أو العلاقات الاقتصادية مع إيران وعوامل أخرى.

تقف السعودية في مقدمة الدول الست في ما يمكن تسميته “العداء” لإيران، وتتضامن معها البحرين بشكل خاص لاعتبارات تتعلق بالتهديدات الداخلية “المفترضة” من قوى وشخصيات حليفة لإيران، والإمارات إلى حد ما مع النظر بعين “فاحصة” إلى حجم التعاملات التجارية الإماراتية مع إيران وأثرها على طبيعة العلاقات بينهما، في حين تقف كل من سلطنة عمان، ودولة الكويت إلى حد ما، مع الإبقاء على علاقات ودية نسبيا مع إيران تزداد عمقا مع دولة قطر التي تضع في أولوياتها مواجهة تحديات المقاطعة الرباعية وحاجتها إلى إيران التي تتشارك معها في أكبر حقول الغاز في العالم.

من المرجح أن يستمر مجلس التعاون لدول الخليج العربية كهيكل قائم يعقد اجتماعاته الدورية على مستوى مجلس القمة أو مستويات أدنى، في حين سيتضاءل دوره الإقليمي والدولي كمنظومة متعددة الأطراف في ظل اتجاه طرفي الأزمة إلى بناء تحالفات ثنائية خارج إطار المنظومة، السعودية مع الكويت والإمارات، ودولة قطر مع تركيا وإيران، وتحالفات أخرى أقل أهمية وتأثيرا.

وإذا كانت هناك حاجة حقيقية إلى الولايات المتحدة في بناء تحالفات وشراكات مع دول مجلس التعاون الخليجي، فإن عليها أن تعطي الأولوية للدفع باتجاه إنهاء الأزمة القطرية، وتطوير أداء مجلس التعاون إلى تحالف فعال عبر التوافق بين الدول الأعضاء بما تمتلك من أوراق ضغط على كل دولة من دوله وعلى الدول الست مجتمعة، وأن تثبت نفسها أنها شريك استراتيجي موثوق في جوانب السياسة، قبل أنتكون شريكا استراتيجيا في الجانب العسكري استجابة لمصالحها الحيوية الخاصة بعيدا عن المصالح المتبادلة.



عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حركات الإسلام السياسي.. وجود مؤثر رغم الإخفاقات

ظلت مسألة انتقال حركات الإسلام السياسي من الحالة التنظيمية إلى الحالة السلطوية مثار جدل في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *