إلى أراجوزات الفتنة وتُجّار الدناءة والبذاءة وجمهورهم الذي يُشبههم:

#الأردن ليس خصم #سوريا .. ولا دماء السوريين سلعة في سوقكم …

غدَت البهلوانية المريضة ورقص الذكور خلف الشاشات؛ مهنة جديدة ازدهرت في فضائنا العربي..!

لا تحتاج إلى دراسة السياسة ولا إلى معرفة التاريخ ولا إلى شيء من الوقار…

يكفي صاحبها ميكروفون جيد وحبال صوتية تتحمل الصراخ و”الزعيق” المُزعج، وقليل من الموهبة في تحويل كل مصيبة عربية إلى عرض يومي يستدرج الغاضبين ويستثمر في جراح المكلومين….

وإذا نفدت مادة العرض، فثمة شعبان عربيان يمكن إيقاظ الخصومة بينهما، وحدود يمكن تحويلها إلى خنادق، ودماء يمكن استخدامها لإشعال معركة كلامية جديدة.

ولا أدري متى أصبح ارتفاع الصوت دليلا على صدق الموقف، ومتى صار التهكُّم على الشعوب شجاعة، ومتى مُنِحَ من يجلس أمام كاميرا حق توزيع شهادات الوطنية والخيانة على أمم دفعت من أعمار أبنائها ودمائهم ما لم يدفعه هو من راحته.

أتحدث هنا عن نمط من الإعلام السياسي الصاخب، الذي نجد نماذج منه في بعض برامج المعارضة المصرية تحديدا – مع احترامي البالغ لمصر وللمصريين جميعهم..

من حق هؤلاء جميعا أن ينتقدوا الأردن وحكومته وقراراته العسكرية….

وليس من حق أحد أن يصادر النقد بحجة الوطنية….

لكن من حقنا أيضا أن نسألهم عن أخلاق هذا النقد، وعن مسؤوليته، وعن الفرق بين مُساءلة دولة والتحريض على شعب، وبين نصرة السوريين وتحويل مأساتهم إلى وقود لخصومة مع الأردنيين….

الأوطان لا تصغر حين ينتقدها أحد، وإنما يصغر الناقد حين يعجز عن انتقادها إلا بالإهانة والشتم وتداول الأكاذيب والتخوين ..

وأنا مُسلمة أردنية أعرف معنى أن يكون للإنسان أرض ينتمي إليها، وجيش يعتز به، ودولة يحرص على أمنها، لكنني أعرف كذلك أن كرامة الوطن لا تُصان بالكذب من أجله، ولا يُخدم الملك بتبرير كل قرار، ولا يُنصر الجيش بإسكات كل سؤال.

إنما تُصان الأوطان حين تكون الحقيقة فيها أعزّ من المجاملة، والعدل فيها أكبر من العصبية.

ولذلك فإنني أُكرر ما قلته سابقا وبوضوح:

إذا ثبت أن مدنيين سوريين قتلوا بنيران أردنية، فإن دماءهم تستحق تحقيقا شفافا ومحاسبة عادلة وجبرا لضرر ذويهم…

ولا أرى في هذا الموقف انتقاصا من الأردن، بل أراه وفاء لأخلاق الأردن التي نريد أن نحفظها لأبنائنا.

لكنني أرفض بالقدر نفسه أن تُستخدم هذه الدماء لإعلان حرب نفسية على الأردنيين، أو لتصوير شعب كامل باعتباره عدوا لأشقائه.

فالعدالة التي تبدأ بإدانة الظلم ثم تنتهي بإنتاج ظلم آخر، لم تكن عدالة منذ البداية.

قال ربّ العزّة والجبروت: ﴿وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾

تأملوا دقة التعبير القرآني يا جمهور الاراجوزات وكُل من يهتف لهم ويشدّ على أيديهم ..

لم يأمر الله عباده بأن يقولوا الحسن فحسب، بل أن يقولوا التي هي أحسن، ثم أعقب ذلك بالتحذير من نزغ الشيطان بين الناس.

كأن الآية تضع يدها على إحدى أخطر آفات الخطاب العام:

أن تتحول الكلمات من أدوات لبيان الحق إلى وسائل لإفساد ما بين الناس.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: “سِباب المسلم فسوق”.

فكيف إذا تجاوز السِباب فردا إلى شعب؟

وكيف إذا أصبحت السخرية من الأوطان وسيلة لاستدرار التصفيق والإعجابات وفقاقيع المدح والثناء؟!

ليس كل من اشتد في عبارته صاحب حجة، وليس كل من خفض صوته ضعيف الموقف….

ولعل من أجمل ما روي عن الإمام الشافعي قوله: “ما ناظرت أحدا إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان”….

وهي عبارة تنقل المناظرة من شهوة الانتصار على الخصم إلى طلب ظهور الحق.

فأين هذا الخلق من إعلامي يدخل إلى كل قضية وقد أعد مسبقا حكمه، ثم يبحث عن الوقائع التي تخدم بهلوانيته التي يُحبها أتباعه وجمهوره من الغوغاء، ويتجاوز ما سواها؟

إن هناك فرقا هائلا بين إعلامي يريد أن يقنعك، وإعلامي يريد أن يغضبك…

الأول يخاطب عقلك لأنه يحترمه، والثاني يستثير أعصابك لأنه يحتاج إلى انفعالك…

ومن أسوأ ما أصاب الإعلام العربي أن بعض مُقدميه صاروا يظنون أن سلاطة اللسان تُعوض فقر البرهان، وأن احتقار المُخالف شهادة على شجاعة المتكلم…

أيها السادة.. سوريا ليست ضيفتنا والأردن ليس عدوها.. -وبإذن الله – لن يكون …

ولأن الحديث عن سوريا، فإنني أريد أن أقول كلاما لا أستعيره من البيانات الدبلوماسية، ولا أكتبه مجاملة لأحد….

السوريون أهلي .. ومني وفيني ..

أهل حوران ودرعا ودمشق وحلب وحمص وإدلب ودير الزور، أهل البيوت التي عرفت الفقد، والأمهات اللواتي كبرن عشرين عاما في ليلة واحدة، والآباء الذين حملوا مفاتيح بيوتهم في المنافي كما يحمل الإنسان قطعة من قلبه.

هؤلاء ليسوا مادة خاما لبرامج الغضب….

ولا يحتاجون إلى إعلامي يرفع صوته باسمهم ثم يورثهم خصومة جديدة مع أشقائهم.

نحن في الأردن نعرف السوريين قبل أن تعرفهم نشرات الأخبار…. وقبل أن تعرفهم بعض الدُول العربية مع احترامي..

نعرفهم من الأسواق والبيوت والجامعات والمصاهرة والتجارة، ومن حوران التي امتدت صلات أهلها بين ضفتي الحدود الحديثة، ومن العائلات التي لا تستطيع أن تفصل تاريخها الاجتماعي بقرار سياسي….

كم من أردني له خال في سوريا، وكم من سوري له عم في الأردن !

وكم من بيت أردني استقبل سوريّا، وكم من بيت سوري استقبل أردنيا، قبل أن تصبح الهجرة عنوانا للمأساة !

وحين فتحت بيوت أردنية أبوابها للسوريين الذين شردتهم الحرب، لم يكن أصحابها يطالبونهم بإثبات أنهم يستحقون الأخوة….

ولم يكن ذلك مِنّة على أحد، وإنما كان امتدادا لما عرفه الناس من صلات الجوار والرحم والدين والإنسانية.

ولا يعني هذا أن تجربة اللجوء كانت خالية من المشكلات أو أن الناس جميعا تصرفوا على الوجه الأكمل… فقد كانت هناك أعباء وأخطاء وتوترات….

لكن هذه كلها لا تمحو حقيقة أن بين الشعبين رصيدا من المودة أكبر من أن تختزله خصومة سياسية لخطأ في القرار او في التنفيذ والأخطاء واردة في كل تصرف وفي كل قرار وفي كل إجراء… ولا ملائكة على الأرض..

إن سوريا بالنسبة إلى الأردن ليست مجرد دولة تقع شمال الخريطة، بل جزء من الذاكرة الاجتماعية التي لا تستطيع الحدود أن تعيد كتابتها.

وإنني لأستغرب ممن يتحدث عن السوريين وكأن محبتهم لا تثبت إلا ببغض الأردن.

من قال لكم إن السوري يحتاج إلى عداوة الأردني حتى يكون عزيزا؟

ومن أقنعكم بأن نصرة درعا تقتضي إهانة الكرك ؟

درعا التي تستحق الحياة والكرامة، والكرك التي فجعت بأبنائها، لا تحتاجان إلى من يوسع دائرة الحزن بينهما.

تذكروا : أن أمهات الضحايا لا يبحثن عن مُباراة في الشتائم…

الأم السورية تريد معرفة الحقيقة والإنصاف لابنها، والأم الأردنية تريد معرفة من قتل ابنها وضمان ألا يتكرر الاعتداء.

وأي إعلام يجعل إحداهما خصما للأخرى إنما يضاعف المأساة بدلا من أن يساعد على إنهائها….

أما الأردن، فليس دولة طارئة على التاريخ يا من صار لكم منابر وأتباع ومُريدين في زمن غريب جعل للرعاع والغوغاء أمثالكم منابر، الأردن ليس أرضا مجهولة تنتظر من يشرح لها معنى الكرامة….

بل وطن قامت هويته الحديثة على مؤسسات ودولة وجيش، وتراكمت تجربته عبر أجيال من الأردنيين الذين عرفوا قسوة الجغرافيا وشُحّ الموارد وضغوط الإقليم.

والأردني الذي يعتز بجيشه ورايته ونظامه الهاشمي ليس مُطالبا بأن يعتذر عن اعتزازه لأحد….

كما أنه ليس مطالبا بأن يسلم عقله لأي مسؤول أو يقبل كل رواية رسمية دون سؤال…

فحُب بلدك شيء، وتحويله إلى كائن معصوم شيء آخر….

إن الدول الواثقة لا ترتعد من النقد، والجيوش المحترمة لا تحتاج إلى من يكذب باسمها، والقيادة التي تستند إلى مؤسسات راسخة لا يضيرها أن يطالب مواطن بالتحقيق والمحاسبة….

وقد كان في موقف الأردن الرسمي الأخير ما يستحق التوقف عنده….

ففي الوقت الذي تمسك فيه الأردن بحقه في حماية أمنه من الإرهاب، أكد وزير خارجيته احترام السيادة السورية، وأعرب عن الأسف لسقوط المدنيين، واتفق مع نظيره السوري على لجنة مشتركة للتحقيق والتنسيق.

وهذا ما نشرته “سانا” الوكالة العربية السورية للأنباء ..

وهذا المسار يجب أن يفضي إلى حقيقة معلنة وإنصاف فعلي، لا أن يبقى مجرد صياغة دبلوماسية….

الدولة القوية تستطيع أن تقول إن أمنها حق، وإن حياة الأبرياء حق، دون أن ترى في الجمع بين الحقين تناقضا….

وأنا لا أقبل أن يتحول الدفاع عن الأردن إلى مزايدة على دماء السوريين، كما لا أقبل أن تتحول نصرة السوريين إلى حملة إهانة للأردنيين….

فإذا كان بعض الإعلاميين عاجزين عن الجمع بين هذين الموقفين، فتلك مشكلة في فهمهم للعدل، وليست مشكلة في انتمائنا إلى أوطاننا….

قال الله تعالى في سورة آل عمران:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾

والاختلاف بين الدول واقع لا ينكره عاقل….

قد تختلف المصالح، وتتباين القرارات، وتقع الأخطاء، بل وقد تقع المظالم التي تستوجب الإنكار والمحاسبة.

لكن الخطيئة الكبرى أن نحول الاختلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية تتوارثها الأجيال.

ولذلك جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري: “ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء”…. وهو حديث صحيح مُتفق عليه..

والأخلاق هنا ليست زينة إضافية للخطاب، بل جزء من صدقه….

فمن يزعم الدفاع عن المظلومين ثم يستبيح كرامة الأبرياء باسمهم، يحتاج إلى مراجعة مفهومه للإنصاف….

ومن يستنكر تعميم تهمة الإرهاب على السوريين، ثم يعمم تهمة العدوان وقلّة الأصل على الأردنيين، فقد بدّل موقعه في الخصومة ولم يبدل منطقه…

ومن يغضب لكرامة شعب ثم يهزأ بكرامة شعب آخر، لا يستطيع أن يقدم نفسه حارسا لكرامة الإنسان….

العدل لا يتوقف على المحبة، ولا تسقط أحكامه بسبب الخصومة…

فإذا كان العدل واجبا مع من نبغض، فكيف بمن تجمعنا بهم الأخوة والجوار والتاريخ؟

وأنتم يا من تتحدثون عن الأردن وسوريا من خلف الشاشات:

إن أردتم نقد قرار عسكري فانتقدوه، وإن امتلكتم أدلة على خطأ فاعرضوها، وإن كانت لديكم أسئلة عن سقوط المدنيين فاطرحوها بوضوح.

بل إنني أشارككم المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤول عن أي اعتداء غير مشروع.

لكن لا تجعلوا من الجرح السوري رخصة لإهانة الأردن، ولا من الغضب الأردني ذريعة لتجريح السوريين.

ولا تتوهموا أن شعبا يملك ذاكرة وتاريخا وكرامة يمكن اختزاله في نكتة أو صرخة أو مقطع يجري تداوله ساعات ثم ينساه الناس.

إن الأردنيين ليسوا بحاجة إلى شهادة وطنية من أحد، والسوريين ليسوا بحاجة إلى وصاية إعلامية على مشاعرهم.

لقد أنجبت مصر إعلاميين ومفكرين وأدباء علموا أجيالا عربية كيف تكون للكلمة هيبة، وكيف يستطيع العقل أن يقنع دون أن يصرخ….

فليس كل من رفع صوته امتدادا لتلك المدرسة، وليس كل من جمع المتابعين قد جمع أسباب الاحترام….

ثمة فرق بين أن يكون للمرء جمهور ينتظر انفعاله، وأن يكون له أثر يحترمه الناس بعد أن تهدأ انفعالاتهم….

وما أسهل أن تجمع الناس حول غضب مشترك، وما أصعب أن تترك بينهم فهما مشتركا….

أريد أن أسأل سؤالا أخيرا.

حين ينتهي البث، وتغلق الكاميرات، ويذهب مقدم البرنامج القائم على الصراخ والبهلوانية إلى بيته، ماذا يبقى من الكلمات التي أطلقها؟

هل ساعدت أما سورية على معرفة مصير ابنها؟

هل أنصفت أسرة أردنية فقدت عزيزها؟

هل قربت بين دولتين تحتاجان إلى التعاون لمواجهة الإرهاب وحماية الحدود؟

أم أنها أضافت إلى آلاف الجراح جرحا جديدا، وإلى الخصومات القديمة خصومة أخرى؟

إن قيمة الكلمة لا تقاس بما تثيره ساعة نشرها، وإنما بما تتركه في ضمائر الناس بعد انقضاء أثرها العاجل.

ولهذا فإنني أقول لأشقائنا السوريين:

لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن الأردن عدوكم….

ومن حقكم علينا أن نطالب بالإنصاف لكل بريء أصابه ظلم، كما أن من حقنا عليكم ألا يُحمّل شعبنا وزر قرار أو خطأ أو جريمة لم يرتكبها.

وأقول للأردنيين:

لا تسمحوا لأحد أن يدفعكم إلى كراهية السوريين دفاعا عن الأردن. …

فالأردن الذي نحبه لا تزداد قامته حين نقسو على أشقائنا، وإنما تزداد حين نحفظ لهم كرامتهم ونحن ندافع عن كرامتنا.

وأقول لأصحاب المنابر الدنيئة:

إننا لا نطلب منكم أن تحبوا الأردن، ولا أن توافقوا على سياساته، ولا أن تجاملوا مؤسساته.

نطلب فقط أن تتذكروا أن وراء الأسماء التي تتقاذفونها على الشاشات بشرا لهم أمهات وأطفال وبيوت وذاكرة وحقوق.

وأن الكلمة التي تخرج من أفواهكم قد تنتهي عندكم بانتهاء الحلقة، لكنها قد تبدأ في حياة غيركم خصومة لا تنتهي.

الشعوب أكبر من برامجكم، والتاريخ أطول من حلقاتكم..

وما جمعته الأرحام والجغرافيا والذاكرة لا تُفرّقه بسهولة حناجر اعتادت أن تستعير من الضجيج ما ينقصها من الحكمة….

من حق كل إنسان أن يرفع صوته ويستخدم الأسلوب الذي يريد، لكن ليس من حقه أن يتوهم أن صدى صوته هو صوت الحقيقة….

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

اليمن بين السعودية والإمارات..

اليمن بين السعودية والإمارات.. حين تتقاطع مصالح الحُلفاء مع أعدائهم فمن يطعن من؟ الحروب التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *