إلى معالي مازن الفراية.. من علمك الحرف الأول يا ابن الكرك؟
معاليك … قبل أن تصبح وزيرا للداخلية، وقبل أن تحمل رُتبتك العسكرية، وقبل أن تعبر بوابات الكليات العسكرية في الأردن والكويت والولايات المتحدة، كنت طفلا من أبناء الكرك، يحمل حقيبته المدرسية، ويجلس أمام معلم ربما لم يكن يملك من الدنيا إلا راتبه وكرامته والطباشير الذي يترك غباره على أصابعه وحوافّ جيوبه.
لا أعرف اسم معلمك الأول يا معالي الوزير، ولا أعرف أي مدرسة شهدت خطواتك الصغيرة، لكنني أعرف أن رجلا لم يولد وزيرا، وأن وراء كل مسؤول وصل إلى موقعه أيدي كثيرة لم تظهر في صور التكريم، وعقولا أنارت له الطريق قبل أن يعرف طريق السلطة.
فهل تتذكر أول معلم صحّح لك خطأ؟ وأول من علمك أن للوطن حرمة، وللجار حقا، وللإنسان كرامة؟
وهل تتذكر مساجد الكرك التي عرفت أصوات الأذان قبل أن تعرف أصوات المؤتمرات الصحفية؟
وهل كان الإمام الذي وقف على منبرها ليعلم الناس الصلاة والصدق وحرمة الدم خطرا على المجتمع، أم كان واحدا ممن أسهموا في بناء ضميره؟
لا أسألك لأستدرّ عاطفتك، وإنما لأعيد النقاش إلى أصله الإنساني.
فأنت ابن مدينة لم تتعلم المروءة من بيانات رسمية، ولم تنتظر تشريعا ليعرف أهلها أن الجار جار، وأن المظلوم مظلوم، وأن حرمة الدم لا تسقط باختلاف الدين….
وأنت خريج جامعة مؤتة، التي تحمل اسم معركة ارتبطت في وجدان المسلمين بتاريخ التضحية والثبات، ثم درست العلوم العسكرية والاستراتيجية في مؤسسات عربية وغربية…
ولا شك أنك تعرف أن أعظم ما يميز الدولة عن الجماعة المتطرفة ليس احتكار القوة وحده، بل انضباط استعمالها بالقانون، ودقة التمييز بين المجرم والبريء.
معالي الوزير..
سمعت تصريحاتك عن الإجراءات الحازمة التي ستواجه بها الدولة التطرف، وعن عدم التسامح مع معلم أو إمام ينشر الكراهية.
وأقول لك: إن كان المقصود من يحرض على قتل الأبرياء أو يدعو إلى الاعتداء عليهم أو يجند الناس للإرهاب، فلن تجد بيننا من يطالب بحصانته….
ولكن ثمة مسافة هائلة بين معلم يحرض على الجريمة، ومعلم يعلم أبناءنا أحكام دينهم. وبين إمام يستبيح دماء الناس، وإمام يلتزم بأحكام فقهية يعتقدها، ولا يدعو إلى إيذاء أحد…..
وأخشى ما أخشاه أن تضيع هذه المسافة تحت وطأة الغضب، فيصبح الاختلاف العقدي قرينة تطرف، ويصبح التمسك بحكم شرعي لا يعتدي على أحد موضع مساءلة….
إننا لا نطلب حصانة لمعلم ولا لإمام، ولكننا نرفض أن تتحول مهنته أو رسالته إلى شبهة، وأن يطالب بإثبات براءته من جريمة لم يرتكبها.
وقد قال الله تعالى: “ولا تزر وازرة وزر أخرى” …
فكيف نقيم العدل إذا حَمّلنا المعلم وزر تلميذ لم يُعلمه، والإمام وزر مجرم لم يُحرّضه، والمسجد وِزر قاتل لم يأمره بالقتل؟
معالي الوزير..
لقد حدثت في الكرك جريمة أوجعتنا جميعا… واعتلى فيها مواطنون مسيحيون أبرياء، هم أهلنا وشركاؤنا في هذا الوطن، لهم علينا حق الحزن والإنصاف، وعلى الدولة واجب حمايتهم ومحاسبة من اعتدى عليهم.
ولا أرى في إدانة هذه الجريمة فضلا نتباهى به، بل واجبا لا تكتمل إنسانيتنا ولا يستقيم إسلامنا بغيره….
لكنني أرفض أن يتحول دمهم إلى مناسبة لمحاكمة الإسلام، أو أن تصبح دموعنا عليهم مقياسا لمدى استعدادنا للتنازل عن أحكام نعتقد أنها من ديننا.
فالقرآن الذي نتمسك به هو الذي قال: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”.
تأمل يا معالي الوزير كلمة “تبرّوهم”….
إنها تتجاوز مجرد الامتناع عن الأذى إلى الإحسان وحسن المعاملة….
فهل يعقل أن يصبح التمسك بدين يأمر بالبر والقسط تهمة، لمجرد أن بعض الناس يختلفون في أحكامه العقدية؟
إن المسلم يستطيع أن يكون شديد التمسك بعقيدته، شديد الرحمة بجاره المسيحي، ولا تناقض بين الأمرين إلا في عقول تريد أن تجعل التشابه في الاعتقاد شرطا للتعايش….
العدل هو ما نرجوه من الدولة حين تتعامل مع أبنائها، فلا تخلط بين ما يعتقده الإنسان وما يرتكبه، ولا بين اختلافه في الأحكام الدينية وموقفه من حرمة الحياة الإنسانية.
ولعلك يا معالي الوزير تقرأ شهادة المواطن المسيحي الأردني سامر حداد، الذي تحدث عن أصدقائه المسلمين المحافظين على صلواتهم، وكيف كانوا عونه في الشدائد، وعن معلمه الذي شجعه على التفوق في مادة التربية الإسلامية دون أن يطالبه بالتخلي عن مسيحيته.
هذا الرجل لم يطلب من جيرانه أن يخففوا تدينهم حتى يطمئن إليهم، بل وجد في أخلاقهم الدينية ما زاد ثقته بهم.
فكيف يصبح المتدين موضع ريبة في خطاب بعض أبناء وطنه، بينما يشهد له جاره المختلف معه في العقيدة بالأمانة والمروءة وحسن الجوار؟
معالي الوزير..
لقد أمضيتَ سنوات طويلة في المؤسسة العسكرية، وتعرف أن الانضباط يبدأ بتحديد المسؤولية، وأن العدالة لا تقوم على الظنون.
ولهذا فإنني أسألك سؤالا أرجو أن يجد جوابا واضحا في أي سياسة جديدة لمواجهة التطرف:
هل ستفرق الدولة بين من يحرض على العنف ومن يلتزم بحكم ديني لا يتضمن اعتداء؟
وهل سيظل من حق المواطن أن يعبر عن تعاطفه بلغته وقناعته، أم سيصبح مطالبا بترديد عبارات محددة حتى لا يُتهم في وطنيته؟
إنني أخشى على الأردن من الإرهاب، وأخشى عليه أيضا من أن تدفعنا فداحة الإرهاب إلى توسيع دائرة الاشتباه حتى تشمل أبرياء لم يحملوا سلاحا ولم يدعوا إلى عنف.
فالأمن لا يتحقق بإضعاف ثقة المواطن بدولته، ولا بإشعاره أن تمسكه بدينه قد يصبح عبئا عليه.
وأعظم ما يمكن أن تصنعه الدولة في مواجهة التطرف أن تحمي المواطن من المتطرف، وأن تحميه كذلك من أن يتهم بالتطرف بغير بينة.
نريد إجراءات حازمة، نعم، ولكننا نريدها عادلة ومنضبطة ومحددة، لا تتجاوز الأفعال المعاقب عليها إلى محاكمة الضمائر.
ونريد تطوير التعليم الديني لا إضعافه، وتأهيل المعلمين لا التشهير برسالتهم، وتصحيح الخطاب الذي يحرض على العنف لا مصادرة الاختلاف الفقهي المشروع.
فالمعلم الذي يربي طفلا على أن دم جاره المسيحي حرام، وأن الاعتداء على الآمنين جريمة، ليس جزءا من المشكلة، بل شريك أصيل في علاجها.
والإمام الذي يعلم الناس أن الله يقول “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى”… ليس خصما للأمن، بل سند أخلاقي له.
معالي الوزير..
أكتب إليك باحترام يليق بموقعك وبمكانة أهلك الطيبين، وباعتزاز لا يقل عن احترامك.
فنحن أبناء هذا الوطن ولسنا ضيوفا على مؤسساته، والمتدينون ليسوا جماعة طارئة على تاريخه، والإسلام ليس وافدا يحتاج إلى شهادة قبول في بلد ينص دستوره على أنه دين الدولة، ويحمل عرشه إرثا هاشميا متصلا بتاريخ النبوة.
ولا أقول هذا طلبا لامتياز ديني على المسيحيين، بل تأكيدا أن احترام هوية الأردن الإسلامية لا يتعارض مع صون حقوق جميع مواطنيه، وأن الدولة العادلة تحمي الكنيسة والمسجد، والمسيحي والمسلم، دون أن تطلب من أحدهما التنازل عن معتقده.
وأرجو أن تتذكر، وأنت تراجع السياسات والمناهج، أن المعلم الذي وقف أمامك يوما لم يكن يعرف أنه يعلم وزيرا للمستقبل، وإنما كان يؤدي أمانته تجاه طفل أردني.
فلا تجعلوا المعلم يشعر أن الدولة التي أسهم في بناء رجالها تنظر إليه اليوم بعين الارتياب، ولا تجعلوا الإمام الذي علم الناس حرمة الدم مضطرا إلى إثبات أنه لم يسفكه.
إن من حقك أن تحمي الأردن بحزم، ومن حقنا أن نطالب بأن يبقى هذا الحزم محكوما بالعدل.
ولعل أبلغ ما أختم به رسالتي إليك أن الدولة القوية لا تخشى اختلاف ضمائر مواطنيها، وإنما تخشى أن يتحول اختلافهم إلى عدوان.
فاحموا الأردن من الذين يقتلون باسم الدين، واحموا المتدينين من الذين يريدون أن يجعلوا الدين نفسه موضع اتهام.
ذلك هو العدل الذي يليق بالكرك، ويليق بالأردن، ويليق بدولة نريدها عزيزة بأمنها، عظيمة بإنصافها….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة