استمعتُ إلى كلمة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وتوقفتُ عندها طويلا….
لا لأن قائلها ملك…. وليس لأنني أردنية، وليس لأنني أبحث عن مناسبة للمديح؛ بل لأن ثمّة كلمات، عندما تكون صحيحة، يصبح من الظلم أن نعاقبها على هوية قائلها.
ولعل هذه واحدة من أزماتنا الأخلاقية والفكرية الكبرى: أننا تعلمنا جيدا كيف نقول “أخطأت”… لكن بعضنا فقد القدرة على قول “أحسنت”.
يرصد الزلة بالمجهر، فإذا مرّ أمام الخير نظر إليه بالعين المُغمضة…. بل وبعين الريبة والتشكيك…
والغريب أننا نسمي الأول نقدا مُستحقّا، ولا نسأل أنفسنا ماذا نسمي الثاني.
طيب …
ما الذي قاله الملك؟
بعيدا عن عبارات المديح الجاهزة، كان في الخطاب ما يستحق القراءة…..
قال الملك عبدالله الثاني: إن العالم لم يكن طوال العقود الماضية عاجزا عن رؤية القضية الفلسطينية، وإنما اختار إدارة الصراع بدل مواجهته وحلِّه.
وهذا توصيف مهم يا قوم …
فإدارة الأزمة تعني إبقاءها تحت سقف الانفجار:
مساعدات، مؤتمرات، إدانات، تفاوض، احتواء للتداعيات، شجب، استنكار، تقريع..
ثم إعادة المأساة إلى وضع يسمح للعالم بالتعايش معها…..
**أما الحل فيقتضي الاقتراب من أصل المشكلة، وجذرها ودفع كلفة سياسية حقيقية لإنهائها….
الأخطر في الخطاب كان حديثه عن اللغة…..
فحين تتغير أسماء الأشياء، تتغير علاقتنا الأخلاقية بها….
يمكن للتهجير أن يصبح “إجراء أمنيًا”..
ويمكن للاستيلاء على الأرض أن يختبئ خلف مصطلح إداري..
ومن الوارد أن يتحول هدم البيوت إلى “إنفاذ للقانون” !!!!
والجريمة التي يصعب على الضمير احتمالها باسمها الحقيقي قد تصبح، بعد سلسلة من التعابير المخففة، خبرا عاديا يمكن تناوله مع قهوة الصباح…..
لذلك فإن تسمية الأشياء بأسمائها ليست ترفا لغويا….
إنها جزء من مقاومة تطبيع الظلم…..
وقد وصف الملك الهاشمي ما يجري بأنه مسار لمحو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد، وتحدث عن التهجير القسري في الضفة، واضعا المسألة في سياق يتجاوز إدارة أزمة إنسانية عابرة إلى سؤال يتعلق بمستقبل شعب ووجوده السياسي على أرضه…..
لكن السؤال الأعمق الذي طرحه كان عن القانون نفسه:
إذا أمكن تجاهل القانون الدولي عقودا، فماذا تبقى من قيمة القانون؟
وهنا تتجاوز القضية فلسطين….
فالقانون لا يموت لأن أحدا خالفه؛ كل القوانين قد تُخالف وقد لا تُحترم….
إنما يبدأ بالموت حين يقتنع الناس أن تطبيقه يتوقف على هوية المخالف وهوية الضحية…..
عندها لا يعود قانونا بالمعنى الأخلاقي للكلمة، بل يصبح ميزان قوة يرتدي ثوب القانون….
ومأساة فلسطين، بهذا المعنى، ليست فقط فيما خسره الفلسطيني من أرض وبيت وأمن وحياة؛ بل فيما خسره العالم نفسه من ثقته بفكرة العدالة الدولية…..
فلسطين بالنسبة إلى الأردن ليست خبرا خارجيا…. وهذه حقيقة ينبغي ألا تضيع بين الشعارات….
الأردن لا ينظر إلى فلسطين من وراء محيط…. فلسطين بالنسبة إليه جغرافيا وحدود وسكان وتاريخ وقدس ولاجئون ومياه وأمن قومي.
ولهذا ربط الملك في خطابه بين التطورات الفلسطينية والأمن الوطني الأردني، وبين الحدود والمياه وما يجري في الإقليم.
يمكن أن يناقش المرء السياسة الأردنية كما يشاء…
يسأل عما فعلت، وعما لم تفعل، وما استطاعت، وما كان ينبغي أن تستطيع….
فالدولة ليست فوق النقد، والملك ليس فوق تقييم المواقف والقرارات…
لكن النقد الجاد لا يقيس الدول بعدد المرات التي تصرخ فيها….
فالسياسة ليست مسابقة في ارتفاع الصوت فوق المنابر.
والدولة، وخصوصا عندما تكون محدودة الموارد ومحاطة بالأزمات، تُقاس أيضا بقدرتها على حماية أرضها وشعبها ومصالحها، وبما تستطيع أن تحمله من مواقف ضمن حدود القوة التي تمتلكها، لا ضمن القوة التي يتخيلها جمهور وسائل التواصل.
لكن القضية التي تشغلني أبعد من خطاب الملك…..
ما أثارني بعد الخطاب هو سؤال آخر:
لماذا أصبح الاعتراف بالخير تُهمة؟
نشأت لدينا ثقافة ترى الشجاعة في الإدانة وحدها….
إذا أشرتَ إلى خطأ مسؤول أو حاكم .. فأنت مستقل….
أما إذا قلتَ إنه أصاب في موقف، فسرعان ما تُفتح خزائن المفردات: تطبيل، تزلف، نفاق…. استرزاق !!
وكأن الاستقلال الفكري يعني أن تتحول إلى عين متخصصة في رؤية القُبح…
وهذا فهم مُشوّه للنقد….
فالكاتب ليس موظف علاقات عامة عند السلطة، لكنه أيضا ليس موظفا في وزارة السخط….
وظيفته أن يرى…..
فإذا رأى خطأً سماه خطأ، وإذا رأى صوابا سماه صوابا.
ولا شيء يهدم مصداقية الكاتب أكثر من أن يعرف القارئ مسبقا ما سيقوله قبل أن يقع الحدث: سيصفق لهذا مهما فعل، وسيشتم ذاك مهما فعل….
عندها نحن لا نقرأ رأيا…. بل نقرأ ولاء وخصومة يرتديان هيئة مقال…. !
للنفاق وجه آخر … ونعرف جميعا نفاق المُتزلف وتَسقُّط المُتكسّب على الأبواب….
ذلك الذي يحول كل كلمة يقولها صاحب السلطة إلى حكمة، وكل قرار إلى إنجاز، وكل خطاب إلى وثيقة تاريخية….
لكننا أقل انتباهًا إلى النفاق المضاد…..
أن تقرر مسبقا أن إنسانا لا يمكن أن يقول حقا لأنك تكرهه….
أن تسمع الصواب، وتعرف في أعماقك أنه صواب، ثم تمتنع عن الاعتراف به لأن الاعتراف سيُحدث شرخا في الصورة السوداء التي صنعتها لصاحبه….
الأول باع ضميره للمصلحة…. والثاني باعه للكراهية.
والضمير في الحالتين لم يعد حرا…
فالخصومة تستطيع أن تفسد ميزان الإنسان كما يفسده الطمع تماما…
ولهذا جاءت القاعدة القرآنية مذهلة في دقتها:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
لم يطلب منك القرآن أن تحبهم…. طلب شيئًا أصعب:
ألا تجعل كراهيتك لهم قادرة على تغيير الحقيقة في عينيك….
وهنا يكون امتحان العدل الحقيقي.
فالإنصاف مع الحبيب سهل…..
أما أن تحفظ للخصم حقه وهو خصم، فتلك أخلاق…..
أخطر ما تفعله الخصومة أنها تعيد تشكيل الواقع
هناك مرحلة من الخصومة لا يعود فيها الإنسان يرى الآخر كما هو.
بل يرى كل أفعاله من خلال حكم سابق عليه.
إن صمت قال: جبان…. وإن تكلم قال: يستعرض.
إن اعتذر قال: خائف…. وإن لم يعتذر قال: متكبر.
إن أخطأ قال: انكشفت حقيقته…. وإن أصاب قال: يبحث عن الشعبية.
لاحظوا المأزق:
لم يعد هناك أي فعل يستطيع الآخر القيام به ليغيّر الحكم….
وهنا لا نكون أمام رأي سياسي.
نكون أمام محكمة صدر حكمها قبل وصول الأدلة.
وهذا أحد أخطر أشكال العمى الفكري؛ لأن الإنسان يظن أنه يراقب الواقع، بينما هو في الحقيقة لا يفعل سوى البحث في الواقع عما يؤكد ما قرره مسبقًا.
والنفوس المعبأة بالشر لا تعاني فقط من كثرة ما تراه من شر.
مصيبتها الكبرى أنها تفقد القدرة على رؤية الخير.
وهذا فقر في الروح قبل أن يكون خطأً في التحليل.
يقول ربّ العزة : ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
تأملوا كلمة الناس….. لم يقل أصحابكم…. ولا جماعتكم…. ولا من تتفقون معهم.
فالإنصاف ليس مكافأة تمنحها لمن تحب….
ومن البخس أن تسلب إنسانا الإشارة إلى صواب صدر عنه فقط لأن الاعتراف به لا يناسب موقفك منه…..
كما أن الإشارة إلى خير فعله لا تعني تزكية سيرته كلها….
نحن الذين أفسدنا هذه المساحة الوسطى…..
صرنا نتصور أن قولك لإنسان “أحسنت هنا” يعني أنك وقعت له شيكا على بياض….
وأن قولك “أخطأت هنا” يعني أنك أسقطت عنه كل فضيلة….
والإنسان أعقد من ذلك بكثير.
قد يصيب في قضية ويخطئ في أخرى…. وقد يكون له موقف نبيل إلى جوار موقف لا نقبله….
والعدل لا يطالبنا بتحويل البشر إلى ملائكة أو شياطين…. بل يطالبنا بشيء أبسط وأشق:
أن نزن كل شيء بقدره…. والحق لا يحتاج إلى سيرة ذاتية…
لهذا، حين أشير إلى ما قاله الملك عبدالله الثاني، فأنا لا أكتب سيرة حكم، ولا أصدر شهادة شاملة في رجل يحكم بلدي، ولا أطالب أحدا بتبني موقف سياسي منه….
أتحدث عن كلمة محددة في لحظة محددة أمام العالم.
فالحق لا يصبح أعظم لأن ملكا قاله.
لكنه أيضا لا يفقد حقه في الاعتراف لأن قائله ملك…. !
ولو سمعت الكلمة نفسها من أبسط خلق الله لقلت: هذه كلمة حق….
وهذا في رأيي هو الاستقلال الحقيقي…..
أن تكون علاقتك بالحقيقة مستقلة حتى عن علاقتك بقائلها….
بل أذهب أبعد:
إذا كنت لا تستطيع الاعتراف بالحقيقة إلا عندما ينطق بها من تحب، فأنت لا تحب الحقيقة كما تكُن؛ أنت تحب جماعتك.
وإذا كان مجرد صدور الصواب عن خصمك كافيا لجعلك ترفضه، فقد منحت خصمك سلطة عليك أكبر مما تتخيل:
لقد أصبح قادرا على تحديد الأشياء التي يسمح لك ضميرك بالاعتراف بها.
وهذه عبودية خفية للخصومة….
أما أنا الفقيرة الى عفو ربها ( إحسان الفقيه ) فسأشير إلى الخير…
سأشير إلى الخير حين أراه، كما أشير إلى الشر حين أراه….
لا تزلفًا لهذا، ولا تشفيا من ذاك….
فأنا لا أفهم الأمانة باعتبارها تخصصا في كشف العيوب وإدانة الملوك والمسؤولين ..
الأمانة ميزان….
والميزان الذي يستطيع النزول في كفة واحدة فقط ميزان مكسور.
لهذا أقول عن كلمة الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة:
كان فيها كلام مهم عن فلسطين، وعن اللغة التي تروّضنا على الظلم، وعن القانون الدولي حين يصبح انتقائيا، وعن عالم عرف كيف يدير المأساة طويلًا ولم يعرف ـ أو لم يُرِد ـ أن ينهي أسبابها.
والإشارة إلى ذلك ليست تطبيلا…. كما أن الإشارة غدا إلى خطأ، إن وقع، لن تكون خيانة ولا تناقُضا…
فالموقف الصحيح لا يحتاج مني أن أصنع من صاحبه قديسا حتى أعترف به….
ولا يحتاج النقد مني أن أصنع من صاحبه شيطانا حتى أعارضه…
بين القديس والشيطان يوجد الإنسان….
وبين التطبيل والتشويه يوجد شيء افتقدناه كثيرا:
الإنصاف….
ومن عجائب زماننا أن بعض الناس يستطيع أن يقضي سنوات يبحث عن كلمة خطأ قالها إنسان، ثم يمر أمام كلمات حق كثيرة قالها الإنسان نفسه فلا يراها.
لا لأن الكلمة خافتة…. بل لأن في داخله ضجيجا أعلى منها.
ولذلك فإنني لا أخشى أن أقول لمن أحسن: أحسنت…..
أخشى شيئا آخر تماما:
أن أبلغ من الخصومة درجة أرى فيها الخير، ثم أرفض الاعتراف به….
لأنني يومها لن أكون قد ظلمتُ الملك، ولا الوزير، ولا الخصم، ولا أبسط خلق الله.
سأكون قد ظلمت الحقيقة نفسها…..
فأحسنتَ أحسنتَ يا جلالة الملك …
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة