ننفض التراب عن أيدينا ثم نفتح الهاتف لنتابع معركة توقفت ريثما نفرّغَ من دفن رجل كان بالأمس يخوض معارك تشبهها….
وربما اجتمع الورثة في بيت لم يجف فيه دمع الفَقد، وبدأ كل واحد يحسب نصيبه من الأشياء التي تركها صاحبه بعدما أنفق عمره في جمعها.
نُشيّع الإنسان إلى نهايته، ثم نعود إلى حياتنا كأننا حصلنا على ضمان بألا نلحق به.
وتتداول الألسنة حكمة تقول: “الأموات محبوسون في قبورهم نادمون على ما فرّطوا، والأحياء في الدنيا يقتتلون على ما ندم عليه أهل القبور، فلا هؤلاء إلى هؤلاء يرجعون ولا هؤلاء بهؤلاء يعتبرون” …
وفي هذه العبارة مرآة قاسية لما نفعله بالوقت:
نملك فرصة الإصلاح ونؤجلها، ونعرف أن العمر ينتهي ونتصرف كأن نهايته شأن يخص الآخرين.
نحن لا نجهل الموت….. بل نحفظ أخباره ونُواسي أهله ونعرف الطريق إلى المقابر. لكن معرفتنا به قلما تدخل معنا إلى المكان الذي نتخذ فيه قراراتنا….
نحضره في مجالس العزاء ونُغيّبه حين نبطش، وفي الطابور، وفي النقاشات الحادّة، وحين نأكل الحقوق، وحين نقول الكلمة التي نعرف أنها ستكسر إنسانا….
كأن الموت صالح لإبكائنا، وغير مسموح له بتغييرنا….
من أعمق أسباب الغفلة أن الإنسان يستطيع أن يتخيل العالم من دون أي شخص، لكنه يعجز عن تخيله من دونه….
يرى البيوت التي مات أصحابها وما زالت أبوابها تُفتح، والمكاتب التي جلس فيها آخرون بعد رحيل شاغليها، والأسواق التي لم تتوقف لغياب تُجّارها، ثم يمضي وفي داخله شعور غامض بأن مكانه وحده عصيّ على الامتلاء.
لهذا يؤجِّل ويؤجِّل ويؤجِّل…
سيعتذر حين تهدأ النفوس، ويرد الحق حين تتحسن الظروف، ويزور أباه حين يخف العمل، ويتوب حين يفرغ من هذه المرحلة….
ثم تلد المرحلة مرحلة أخرى، ويصبح التأجيل طريقة عيش، حتى تُفاجؤه نهاية لم ينكرها يوما لكنه لم يحسب لها حسابا في يومه.
وكم نبالغ في الثقة بصلاح نِيّاتنا المستقبلية….
نطمئن إلى الإنسان الطيب الذي سنصير إليه، بينما يدفع من حولنا ثمن الإنسان الذي نحن عليه الآن….
نَعِدُ أنفسنا بأننا سنكون أرحم، لكن القسوة تصل إلى أصحابها اليوم…
وسنكون أكثر إنصافا، لكن المظلوم ينتظر حقه اليوم….
وسنمنح أبناءنا وقتا، لكن طفولتهم تجري الآن ولا تنتظر انتهاء انشغالاتنا.
ثم إذا فقدنا أحدا، اكتشفنا أن أبسط ما كنا نبخل به صار أغلى ما نتمنى شراءه:
جلسة بلا استعجال، مُكالمة لم نقاطعها، كلمة حُب قلنا إن صاحبها يعرفها ولا يحتاج إلى سماعها…..
ومن مفارقاتنا أننا نسخو على الغائب بالكلمات التي ضنّنا بها عليه حيا…
نكتب بعد موته شهادة طويلة في فضله، بعدما أثقلنا أيامه بالملاحظات والعتاب…
وقد ننشغل بإقناع الناس بحجم محبتنا له، أكثر من انشغالنا بالسؤال عما وصله من تلك المحبة وهو قادر على الشعور بها.
ولا يقف هذا الخلل عند العلاقات….
إنه يسكن علاقتنا بالمال والمكانة والظهور.
قد يعمل الإنسان أعواما ليحصل على سعة تحفظ كرامته وكرامة أهله، وهذا سعي محمود…..
لكن عليه أن ينتبه إلى اللحظة التي تتحول فيها الكفاية إلى سباق لا خط نهاية له. يصبح البيت الجديد قديما بمجرد أن يرى بيتا أكبر، ويصغر نجاحه في عينه لأن شخصا آخر نال احتفاء أوسع….
وحين يدخل هذا السباق، لا يعود مقدار ما يملك هو الذي يُحدد رضاه، بل مقدار ما يزيد به على غيره…..
وهنا يستطيع أن يغتني طويلا دون أن يشعر بالغنى يوما واحدا.
وفي صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخّر”…
إنه سؤال الملكية في أكثر صوره إيقاظا:
ما الذي بقي لك حقا من الشيء الذي شغلك؟
وما الذي حوّلته من مالك إلى خير تلقاه، وما الذي استهلك عمرك ثم انتقل إلى حساب شخص آخر؟!
ويجري مثل هذا في طلب المكانة….
قد يرهق الإنسان نفسه ليصبح اسمه معروفا، ثم يستهلك بقية عمره في حراسة الصورة التي صنعها لنفسه ولإسمه المُبهر عنده …
يغضب من تعليق يُقلّل من هيبته، ويُخاصم على ترتيب الأسماء، ويَعُدّ الثناء كأنه يعد أنفاسه….
ولعل من أقسى أشكال الفقر أن يملك المرء ما يكفيه، ثم يظل محتاجا إلى أن يشعر الآخرون بأنه يملك أكثر منهم.
وقد أتاحت لنا الشاشات أن نحمل هذا القلق في جيوبنا…
نستيقظ لنرى من سبقنا، وننام وفي نفوسنا غصة مما ناله غيرنا….
وبين الاستيقاظ والنوم تتسرب أيام كان يمكن أن نعيشها، فننفقها في مراقبة حياة الآخرين.
نحزن لأن منشورا لم يلقَ ما يستحقه من اهتمام، ولا نحزن بالقدر نفسه لأن نهارا كاملا مضى دون صلاة بخشوع، أو عمل نافع، أو إنسان آنسناه….
نُراجع أرقام المتابعين مرارا، ونترك أعمارنا تتناقص دون مراجعة….
لكن التذكير بالموت ينبغي أن يدخل أيضا إلى ضمائر أصحاب القوة…
إلى المسؤول الذي يستطيع رفع الظلم ثم يؤجله، وإلى صاحب العمل الذي يحبس أجرة يعرف حاجة صاحبها، وإلى الكاتب الذي يسهل عليه هدم سمعة إنسان لأن الجمهور يُحب المعارك التي لا نهاية لها.
فإذا كانت النهاية حاضرة في الوعي، وَجَبَ أن يظهر أثرها في اليد التي توقع، واللسان الذي يتهم، والقرار الذي يغير حياة الناس.
ولا يصح أن يستدعى فناء الدنيا كلما طالب مظلوم بحقه….
من حق العامل أن يطلب أجره، والمرأة أن تصون كرامتها، والإنسان أن يدفع العدوان عن نفسه…
والذي يتذكر الحساب يجدر به أن يبادر إلى أداء الحقوق، لا أن يطلب من أصحابها الزهد فيها…..
إن الوعي بالموت يجعل سؤال الوسيلة مُلازما لسؤال المكسب:
ماذا فعلت كي أصل؟
من دفعت جانبا؟
ومن أوجعت؟
وهل سأرضى عن الطريق إذا وقفت في نهايته ورأيته كله؟
وهذه الأسئلة لا تُعطّل الطموح…..
إنها تمنحه وجهة تستحق العمر…..
يستطيع الإنسان أن يبني مشروعا كبيرا وأن يترك خلفه رزقا لغيره، وأن يتقن عمله، وأن يطلب الفرح والجمال، وهو يعرف أن أيامه معدودة….
بل لعل معرفته بقصرها تجعله أشد حرصا على ألا يبددها في عمل رديء أو خصومة تافهة أو نجاح يخجل من ثمنه.
فالحياة أقصر من أن ننفقها في كراهية دائمة، وأثمن من أن نسلمها لكل من يريد جرنا إلى معركته….
وبعض الانتصارات لا تستحق ما دفعناه فيها من سكينة ووقت وعلاقات.
نحتاج بين حين وآخر إلى أن ننظر إلى يومنا من نهايته البعيدة:
هل يستحق هذا الخلاف أن أهجر أخي؟
هل يستحق هذا المقعد أن أخون ضميري؟
هل تستحق هذه الكلمة أن ألقى الله بمظلمة صاحبها؟
وهل سأشكر نفسي يوما لأنني ربحت الجدال وخسرت الإنسان؟
ما دمنا أحياء فثمة باب مفتوح:
حق يمكن رده، واعتذار يمكن إيصاله، وقطيعة يمكن إنهاؤها، وعمل صالح يمكن البدء به اليوم.
أما الوهم الذي ينبغي أن نتخلص منه، فهو أن الوقت الذي بين أيدينا قليل القيمة لأنه متاح.
ذلك أن الدقيقة التي نهدرها الآن باستخفاف، قد تكون هي الدقيقة التي سنتمنى يوما لو نشتريها بكل ما اقتتلنا عليه.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة